الحدث التركي.. أصداء وتداعيات – إرم نيوز‬‎

الحدث التركي.. أصداء وتداعيات

الحدث التركي.. أصداء وتداعيات

رضوان السيد

ذهبتُ مع الرئيس فؤاد السنيورة إلى تركيا أواخر العام 2011، وكان عندنا مما نستنكره على نظام أردوغان أمران: موقفهم (الإيجابي) من حكومة الميقاتي بلبنان، والتي أسقطت حكومة سعد الحريري، وزادت من تحكم حزب الله وإيران بالمجريات على الساحة اللبنانية- والأمر الثاني: الموقف المشكل لتركيا من الأزمة السورية. افتتح السنيورة الحديث بشكر أردوغان على المساعدة في عدة مناسبات، وقال إنه آتٍ للتشاور معه في مسألتي سوريا والعلاقة بالحكومة اللبنانية الحالية. وتسلّم أردوغان الحديث فقال إنّ الأسد خيّب أمله وأمل القطريين بإقباله على قتل شعبه، ولذلك فقد يصبح ضده. أما السنة بلبنان فلا ينبغي أن يخافوا لأنّ تركيا مهتمة بالسنة في كل المنطقة، وخامنئي زعيم الشيعة بالمنطقة ونحن متحالفان، ولذلك سنصل إلى توافق لتسوية سائر المسائل، ومن ضمنها حصة السُّنة في لبنان! وقال له السنيورة: لماذا تتشاورون مع خامنئي في الشؤون العربية ولا تتشاورون مع السعودية ومصر؟ نحن لسنا سنةً وشيعة، بل نحن عرب، ومرجعيتنا السعودية ومصر. وقد اخترت أنتَ منذ عام 2004 بشار الأسد مدخلاً للعرب واليوم تقول إنك متجهٌ لمعارضته، وأظن أنكم كما بالغتم في مصادقة بشار، ستبالغون في معاداته!

كان الإيرانيون متحالفين مع الأتراك أو على علاقةٍ حسنةٍ بهم لسببين أساسيين: الملفات الاقتصادية، والمسألة الكردية، فقد كانت إيران محاصَرة وتعتمد على تركيا في الاستيراد، كما كانت تركيا تستورد من إيران ومن روسيا البترول والغاز، ثم إنّ الدولتين ما كانت لهما مصلحة في قيام دويلات كردية على حدودهما أو بداخلهما، لكنّ الدولتين وعلى مشارف الربيع العربي وبخلاف ما قدّر أردوغان اختلفتا، فأرادت إيران منع التغيير وبخاصة في سوريا، وأرادت تركيا دفع التغيير باتجاه الإخوان المسلمين. أما لماذا وكيف تدخلتا فوراً في دولٍ مستقلة؟! فلأنّ حالة «الخواء» الاستراتيجي التي تحدث عنها سعود الفيصل عام 2010 كانت تسود في العالم العربي- وقد شجّع الضعف العربي ليس إيران وتركيا فقط، بل أميركا وروسيا والصين والهند.. الخ. وكانت لحركات الإسلام السياسي العربية علاقات بإيران أيضاً. إنما مع بروزها على حساب المدنيين بعد الثورات، فإنها فضّلت العلاقة بأردوغان لأنه «سلطة سنية»، ولأنّ علاقته بأميركا أفضل، ولأنّ إيران كشّرت عن أنيابها في عام 2010 مع خروج الأميركان من العراق، وراحت تُظهر سياسات طائفية من دون رداعٍ ولا حرج وفي لبنان والعراق وسوريا.. واليمن وفلسطين! وبالفعل فإنّ الإيرانيين والأتراك تصارعوا على السيطرة على الأرض العربية والقرار العربي، إلى حدّ أنّ إيران ومنذ عام 2014 ساعدت وتساعد أكراد تركيا في ثورتهم على أردوغان بشرق البلاد، كما تساعدهم على أردوغان و«داعش» ومن أجل إقامة دويلة في سوريا! وقد اضطر أردوغان بعد عنادٍ لسنتين أو ثلاث إلى التنازل أخيراً لإيران وإسرائيل وروسيا وأميركا، بعد أن بدا أنّ الجميع تحالفوا ضده بسببٍ وبدون سبب!

إنّ الذي يبدو لي أنّ الانقلاب عليه بدأ الإعداد له منذ زمنٍ طويل. وقد أخطأ هو في البداية فاختار مصارعة العسكر والتحالف مع فتح الله غولن، لكنه في السنوات الأخيرة سالَمَ العسكر، واتجه لمخاصمة غولن، الذي اعتبر أنه هو الدولة العميقة في تركيا وليس العسكر، والذي أراه أنّ حركة (خدمة) الغولنية هي في قوتها التنظيمية ومواقعها الاجتماعية (وليس في أيديولوجيتها) أشبه بالإخوان المسلمين، وأكثر من شبه حزب أردوغان بالإخوان. ذلك أنّ التنظيمات السرية وشبه السرية حلّت وتحلُّ بالتدريج محلَّ الأحزاب السياسية في سائر أنحاء العالم، وأنّ عناصر تماسكها لا تكون سياسية، بل إثنية أو جهوية أو طائفية أو مصلحية (مالية ومهنية). وقد تتبعت المخابرات التركية جماعة غولن منذ عام 2013 ووجدوهم في جهاز التعليم وفي القضاء والشرطة، لكنهم (وبسبب الاختراقات والتضليلات) ما انتبهوا إلى وجود جناح عسكري عندهم عموده الفقري من الكولونيلات المتدينين، أما الجنرالات فهم ديكور وينبغي وضعهم في الواجهة بسبب الهرمية العسكرية التي تقتضي ذلك.

إنّ الرعب الذي خلّفه الإدراك بالانتشار الهائل لحركة (خدمة)، واختراق الجيش، دفع أردوغان للمبالغة في الإجراءات الداخلية، لكنه سيصبح أكثر حذراً في الخارج، مع أميركا ومع روسيا ومع إيران ومع إسرائيل. ويمكن أن يصبح أكثر حذراً في سياساته العربية أيضاً إذا انتظمت علاقاته بالسعودية، وجرى التنسيق في السياسات العربية تجاه تركيا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com