مفاجآت أردوغان

مفاجآت أردوغان

محمد خلفان الصوافي

لا أحد يريد أن يصدق أن الرئيس التركي طيب أردوغان تعرض لمحاولة انقلابية من المؤسسة العسكرية، بل يعتقد البعض أن المحاولة الانقلابية الفاشلة لا تخرج عن كونها حلقة من سلسلة مسرحيات يقوم بها أردوغان من أجل استفتاء مكانته لدى الشعب التركي كي يتخذ إجراءات جديدة تسهم في ترسيخ مكانته السياسية.

ومع أن الحدث كبير استراتيجياً نتيجة لما يحيط بتركيا من تحديات مثل «داعش»، كما أن مكانة الدولة التركية في السياسة الدولية مؤثرة إلا أن هذا الحدث كان خارج دائرة الاهتمام الاستراتيجي العالمي إلا إعلامياً، فلم يكن هناك رد فعل سريع من دول العالم، وهو ما يؤكد صحة شكوك الدوائر الاستخباراتية العالمية بأن الذي تم ليس محاولة انقلابية مكتملة الأركان بقدر ما هي محاولة أردوغانية لاستعادة بعض الذي خسره نتيجة لمغامراته في عدد من المواقف السياسية.

فبعد ساعات معدودة من الإعلان في التلفزيون الرسمي عن قيام انقلاب عسكري ضده رجعت نفس المذيعة التي قرأت إعلان الانقلاب لتعلن عن فشله، ما أعطى مؤشرات لدى الرأي العام العالمي الذي غيّر طريقة تفكيره تجاه ما يجري في تركيا، فإذا كان هناك انقلاب فالأدق أن يكون هو انقلاب أردوغان على طبيعة النظام السياسي التركي، ومع أنه يدرك تلك النقطة، إلا أنه يصر على أن ما حدث يحتاج إلى إجراءات مجنونة في ممارسة كل أساليب «عدالة المنتصر» خاصة وأنه معروف عنه شدته في الانتقام من خصومه وذكائه في استغلال المواقف، لذا فإن القلق الدولي من انتقام أردوغان في محله.

ظاهرة التدخل العسكري لتصحيح المسار السياسي ليست أمراً جديداً في تركيا، ورغم أن هذا الأمر تراجع مؤخراً بشكل كبير فإن أردوغان يذكرنا بين الحين والآخر بأن «تركيا أردوغان» استثناء، فهو دائماً في حالة قلق من الانقلاب العسكري، وهو ما يدعو المراقبين إلى طرح سؤال من شقين: لماذا أردوغان يدّعي دائماً أن هناك انقلاباً عسكرياً يُخطط ضده، ويقوم بتجيش الشعب ضدهم؟ وهل هناك أسباب موضوعية تجعله يفعل ذلك بين فترة وأخرى أم هي مسألة نفسية لإقناع الجمهور كي يبرر له الإجراءات التعسفية ضد خصومه من السياسيين والعسكريين؟!

إذا ذهبنا أبعد من العسكريين، الخصم الرئيس له، ونظرنا إلى أعضاء حزب «العدالة والتنمية»، فسنجد أن أردوغان قام بتصفية حتى أصدقائه الذين أوصلوه إلى السلطة مثل: عبدالله غول، الرئيس التركي السابق وأحمد أوغلو رئيس الوزراء السابق ومنظر حزب «العدالة والتنمية» من خلال نظرية «صفر مشاكل»، ما يؤكد أن كل ما يفعله هو من أجل ترسيخ السلطة له.

هذه الخلفية الذهنية عن أردوغان تعطينا الفرصة كي نتوقف عند من يرون أن المحاولة الانقلابية لم تكن حقيقية، أما عن عمليات الاعتقال والانتقام والذل ضد العسكريين، فهي إجراءات تعطينا أفقاً نتوقع من خلاله ما يمكن أن يفعله الرئيس التركي، لأنه إذا لم يستغل ويحول المحاولة إلى فرصة ليقضي على كل خصومه فمتى يمكن أن يفعل ذلك؟ وإذا لم يستأسد على معارضيه بما فيهم «فتح الله جولن» وجماعته المنتشرة في المؤسسات الحكومية التركية، فإن الفرصة لن تتكرر مرة أخرى.

نقطتان ينبغي لنا تسجيلهما خلال هذه المحاولة. النقطة الأولى: أن كل المؤسسات في تركيا سيتراجع دورها، فبعد اعتقال العديد من العسكريين باعتبارهم من قام بالعملية الفاشلة هناك اعتقالات في وزارة الداخلية وفي السلك القضائي والدبلوماسي وكذلك رؤساء الأقاليم وسيكون الحضور حكراً على الرئيس أردوغان وحده، والنقطة البارزة في هذا الصعود أنه يتكئ على القاعدة الشعبية المبنية على الأيديولوجية الدينية، وهو ما يسهم في قتامة صورة الدولة العلمانية في تركيا وقتامة استمرار الاستقرار الإقليمي.

النقطة الثانية: أن تيار «الإخوان المسلمون» وخاصة الهاربين منهم من عدالة دولهم، فهؤلاء أكثر الذين تنفسوا الصعداء بفشل تلك المحاولة ربما أكثر من أردوغان نفسه لأن وصول العسكريين إلى السلطة في تركيا يعني إعادتهم إلى دولهم الأصلية لمحاكمتهم.

المتابعون لما يقوم به أردوغان منذ وصوله إلى السلطة يرون أنه يسير وفق هدفه السياسي الرامي إلى عودة العثمانية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com