الإرهاب يتطاول على المقدسات

الإرهاب يتطاول على المقدسات

عبد الحميد الأنصاري

أن يتطاول الإرهابيون على مدينة الرسول- صلى الله عليه وسلم- الحرم الآمن، ويصلوا بإجرامهم إلى قرب مسجده وقبره، في انتهاك عظيم لحرمات مغلظة، حرمة البقعة المباركة والتي قال عنها «المدينة حرم… من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين»، وحرمة الشهر الفضيل، وحرمة العشر الأواخر، وحرمة الدماء المصونة، ليقتلوا الصائمين، حماة الأمن والوطن، وقت الإفطار، ليذهبوا شهداء، عند ربهم، فهذا مما يوجب على المسلمين أن يقفوا وقفة جادة مع أنفسهم، ليراجعوا أوضاعهم، وليبصروا مواطن الخلل في منظومتهم التربوية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وليشخصوا علة هذه الآفة، التي تفتك بعقول ونفوس شباب، لم نحسن تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم، فاستهواهم فكر الضلال، وانقادوا لمشاريعه الإجرامية.

الحياة نعمة عظمى، وهي عطية الخالق، جل وعلا، والإنسان يولد محباً للحياة، ومقبلاً عليها، فما الذي جعل بعض شبابنا، ضعيفي المناعة أمام فيروسات آفة الغلو، ينقلبون على مجتمعاتهم، وحوشاً ضارية، وأدوات للقتل والتفجير وإزهاق الأرواح، وقنابل بشرية مدمرة؟!

الإرهاب، مرض خبيث يتسلل إلى النفس غير المحصنة من مرض التطرف، فيميت القلب، ويبلد المشاعر، ويستحوذ على العقل، ويجعل من صاحبها كائناً عدوانياً، بائساً ومحبطاً، يفضّل الموت على الحياة، ويستسهل تفجير النفس في الآخرين.

والإنسان لا يترك هذه الحياة، ويزهد في طيباتها ومباهجها، ولا يضحي بنفسه عبر تفجير الذات إلا تحت عقيدة متسلطة على عقل ووجدان صاحبها، تزين له تفجير النفس في الآخرين، «جهاداً» و«استشهاداً»، يدخلانه الجنة!

الإرهاب، فكر عدواني، وهو مرض يصيب النفس، وبيئة حاضنة تسودها الكآبة والبؤس، وأساس هذا الفكر العدواني المنحرف، التنشئة الأولى غير السوية، ثم التعليم الأحادي التلقيني الذي لا يحصن الطالب ولا ينمي عقليته. إلا أن الخطاب الديني التحريضي، وفتاوى شرعنة العمليات الانتحارية، لهما الأثر الأعظم في انتشار التفجيرات الإرهابية.

إن نقطة البداية، لحسن تشخيص أي مرض ومن ثم التوصل إلى العلاج الفعّال، هي الاعتراف به، أولًا، ومن هنا، علينا أن نعترف: أن هؤلاء الذين انقلبوا على مجتمعاتنا، هم أبناؤنا الإرهابيون المضللون، وإذا كنّا نصفهم بالضلال، فعلينا ألا ننسى، أن ذلك من مسؤوليتنا، فهم تربوا في أحضاننا، ورضعوا من ثقافتنا، وتعلموا في مدارسنا، وشربوا وارتووا في رحاب منابرنا الدينية ومساجدنا، وفتاوى مشايخنا وعلمائنا، وكتبهم، ومواقعهم الإلكترونية، التي أخفقت في تحبيبهم في الحياة، علمتهم: كيف يموتون في سبيل الله تعالى، ولم تعلمهم: كيف يحبون ويعمرون وينتجون ويسعدون مجتمعاتهم ويساهمون في تقدم أوطانهم، في سبيل الله تعالى. علينا مواجهة الذات، والاعتراف بأن هؤلاء الشباب الضالين المارقين، ما هم إلا أبناء خطاب التكفير والتحريض و«ثقافة الكراهية» ولا زالت روافدهما مستمرة في مجتمعاتنا، ولن ينفعنا لعن شياطين الخارج، ولا اتهام القوى الشريرة، ولا أوهام التآمر العالمي، وعمليات غسيل الدماغ، في حماية أجيالنا القادمة من غزو الفكر المتطرف، إذا دفنا رؤوسنا في الرمال، علينا مواجهة الذات وتحمل مسؤولياتنا تجاه شبابنا الضال.

إن هؤلاء الشباب الذين فضلوا الموت على الحياة، إنما هم أصحاب نفسيات كارهة، عرفوا طريق الموت السريعة، فراراً من بؤس هذه الحياة، إلى الجنة الموعودة! لم يتذوق هؤلاء طعم الحياة الأسرية السعيدة، ولم يستمتعوا بدفء العائلة، وحنان الأم، ورحمة الأب، وزين لهم الخطاب الديني «الموت في سبيل الله تعالى»، وجاءت فتاوى لمشايخ نجوم، تحرّضهم على «تفجير الذات» في سبيل الله تعالى، انتقاماً لكرامة الأمة! ورداً لاعتبارها، ودفاعاً عن شرفها! ولم يكتف هؤلاء، بتحريض الشباب على تدمير الذات في الأعداء، بل وصفوه بـ«أسمى صور الجهاد»! وهناك من افتخر من على المنابر: إذا كان الغرب يملك القنابل الذرية، فالمسلمون يملكون القنابل البشرية! والمشروع «الاستشهادي» أقوى ما نملكه! ما أرخص دم المسلم وما أتفه حياته في عرفهم!

ختاماً: لقد تطاول الإرهابيون على المقدسات كافة، المساجد بيوت الله تعالى، من قبل، واليوم وصلوا إلى المسجد النبوي الشريف، فماذا نحن فاعلون؟!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com