مصالح الأردن أوّلًا

مصالح الأردن أوّلًا

أيمن الصفدي

الثابت الوحيد الذي يجب أن يحكم التعامل مع وضعٍ متغيّرٍ متفجر مثل ذاك الذي يسود سورية هو الاستمرار في تطوير أدوات حماية مصالحنا الوطنيّة. في هذا السياق جاءت القرارات التي اتخذتها مؤسّسات الدولة بعد الجريمة الإرهابيّة التي استهدفت جنودنا الغرّ وأمن وطننا الأسبوع الماضي.

ومنذ سقوط سورية في غياهب الحرب الأهليّة والإرهاب، استهدفت سياسة المملكة تحصين حدودنا ضدّ الاختراق وتخفيف انعكاسات الفوضى السوريّة على مجتمعنا، وتقديم المساعدة الممكنة للأشقّاء السوريّين. حمى الجيش الحدود، وتصدّت الأجهزة الأمنيّة لعصابات الحقد، ورسم الأردن في تعاطيه مع أزمة اللجوء السوري صورةً إنسانيّةً لم يقترب من عمق عطائها أحدٌ في المنطقة أو العالم.

بيد أنّ العمل الإرهابيّ على حدودنا المقابلة لمخيّم “الركبان” غيّر المعادلة، إذ أثبت صحّة القلق من اختراق الإرهابيّين للمخيّم. وبات فرضاً على الأردن إعادة ترتيب آليّة مواجهته للخطر القادم من الشمال.

قرار مستشار جلالة الملك، رئيس هيئة الأركان المشتركة اعتبار المنطقة الحدوديّة مع سورية منطقةً عسكريّةً مغلقةً قرارٌ صائب. فالأردن أثبت عملاً أنّه لم يتوانَ عن أداء واجبه الإنسانيّ. لكنّ دماء الشهداء تستوجب سدّ أيّ ثغرةٍ، إنسانيّةٍ أو سواها، يمكن أن يستغلها الظلاميّون لاستهداف المملكة.

صحيحٌ أنّ في مخيّم “الركبان” أبرياء يدفعون ثمن بطش نظامهم وهمجيّة الإرهابيّين. لكنّ بينهم أيضاً إرهابيّين. ولا يحقّ لأحدٍ في الإقليم وخارجه ممّن لم يقدّموا جزءاً مما قدّمه الأردن لمساعدة اللاجئين أن يطلب من المملكة أن تُعرّض أمنها للخطر.

فمساعدة اللاجئين والنازحين مسؤوليّةٌ إقليميّةٌ ودوليّة. أثبتت السنوات الماضية أنّ المملكة تتحمل مسؤوليّتها إزاءهم بكلّ تفانٍ. لكنّ الفترة الماضية عرّت أيضاً تقاعس المجتمعين الدولي والإقليمي. وعلى المؤسّسات الدوليّة المعنيّة بالأوضاع الإنسانيّة أن توجّه انتقاداتها نحوهما، وتمارس ضغوطها عليهما، وليس على الأردن الذي دفع ثمن مواقفه الإنسانيّة دماً وأعباءً اقتصاديّة.

أمّا داخليّاً، فثمّة حاجةٌ لعملٍ أكثر مؤسّساتيّة في مواجهة خطر الاختراقات الإرهابيّة الفكريّة. الجيش العربي والأجهزة الأمنيّة يحمون الحدود ويتصدّون للمخطّطات الإرهابيّة بكفاءة.على باقي المؤسّسات أن تُحسّن أداءها في مكافحة التطرّف.فالحرب الفكريّة عملٌ منهجيٌّ كلّيٌّ مستدام.هذه الكلّيّة غائبة.

ولن يملأ الفراغ إلّا استراتيجيّةٌ تقودها هيئةٌ مكرسّةٌ لبثّ الفكر التنويري ولتجذير قيم المواطنة والعدالة واحترام الآخر، تنسّق العمل لضمان التزام جميع المؤسّسات برامج واضحة لتحصين المجتمع ضدّ الضلال.

وتشكّل معالجة الغضب والإحباط عامل نجاحٍ أساسيٍّ في جهود مكافحة التطرّف، التي لن تحقّق غاياتها إلا إذا ضمنت سيادة القانون بعدالة. 

تستطيع الحكومة أن تبدأ هذه المعالجة بخطوتين محوريّتين.

الأولى هي الخروج إلى الناس بخطّة عملٍ متكاملةٍ توضّح لهم سياساتها الاقتصاديّة وأهدافها ونتائجها. ولكي تنجح تلك الخطوة، يجب أن يشعر الناس بأنّ خيرها سيعمّ بعدالة، وبأنّ الصعوبات التي سترافق تطبيقها سيتحمّلها الجميع بعدالةٍ أيضاً. والثانية هي تطبيق القانون على الجميع. ولن يعترض الناس على ذلك إذا اقتنعوا بأن الجميع تحت مظلّة القانون.

ووفق هذا المنهج يمكن للحكومة أن تعالج الأوضاع في لواء ذيبان. إدارة المشكلة بشموليّةٍ ستُزيل الاحتقان ضمن آليّةٍ تطبّق القانون، وتنسجم مع منهجيّة الحكم الأردنيّة المستنيرة.

بدايةً يجب تطبيق القانون على من اعتدى على الدرك. فمن يتعرّض للقوى الأمنيّة عدوٌّ للوطن كلّه، إذ إنّه يعتدي على رمزٍ وطنيٍّ جامع، وعلى جنودٍ يضحّون من أجل منعة الأردن وأمنه.

ويلزم كذلك احترام حقّ الناس في الاعتصام السلميّ القانونيّ، مع اتخاذ الإجراءات القانونيّة ضدّ من يتسلّل عبر الوجع الإنسانيّ والحقّ في التعبير عنه لخدمة أجنداتٍ تخريبيّة، تبدّت في شعاراتٍ مرفوضةٍ ولا أخلاقيّةٍ رفعها بعضٌ في تحدٍّ لمشاعر الأكثريّة الساحقة من الأردنيّين.

وتحت سقف القانون وعلى شرط احترامه، تستطيع الحكومة بدء حوارٍ مع المعتصمين السلميّين حول سبل تلبية المشروع من طلباتهم. 

أردنّنا آمن. شعبنا في أكثريّته واعٍ. وقيادتنا مستنيرة. الحزم في حماية الأمن، والشفافيّة في صناعة القرار، والعدالة في إدارة الشأن العام يمثلّون الضامن لبقاء الأردن مملكة النور والإنجاز والأمان.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع