رمضان: حتى لا يهزم الدنيويُّ الدينيَّ

رمضان: حتى لا يهزم الدنيويُّ الدينيَّ

موسى برهومة

شعيرتان دينيتان تستأثران دون غيرهما باتصالهما بالناس، وتحصدان، على المدى السريع، نتائجَ منافعهما على الإنسان، وهما الزكاة والصيام، في حين أنّ الأركان الثلاثة الأخرى: الشهادة بالله والنبي محمد، والصلاة، والحجّ، تندرج في إطار العبادات الفردية التي لا توسّط فيها بين الأرض والسماء.

ولئن كان الصيام في شهر رمضان يشتمل في أواخره على تقديم الزكاة لمستحقيها، فإنّه في مبتدأه ووسطه ومنتهاه، فرصة للإطلالة على آلام الآخرين، وتقاسم النعماء معهم، ليس في الطعام والشراب وحدهما، بل في السلوك العام الذي يتّسم بفيوضات من الورع لا نحسبها سلوكاً موسمياً، ولو كانت كذلك، لكنها بمثابة استراحة وإراحة للقوى الشريرة في داخلنا التي تظل تعمل بضراوة طوال أشهر السنة، وربما لا تتوقف، إن وجدتْ حاضنة خصبة، في «رمضان»!

ولعله أدعى إلى تحقيق المقاصدية الدينية النبيلة في «رمضان» أن نجلوَ صورة الشهر الكريم، وننزع عنها ما علق بها من أفكار تنطوي على مقدار عالٍ من الحقيقة، وفي مقدمها تحوّل «رمضان» إلى شهر للعطالة وضعف الإنتاجية، والانهماك في طلب الملذات من طعام وشراب حتى إنّ كثيرين تزداد أوزانهم، وتتضاعف نفقاتهم، ويختلّ ميزانهم النفسي والصحي، لأنّ غالبيتهم يقضون الليل في السهر ومتابعة المسلسلات وزيارة الأصحاب والأقارب، فيما النهار، لعمل قليل متثائب، على قلة ساعات الدوام فيه، وشكوى مزمنة من وطأة الجوع والعطش.

ولعل زيارة قبل الإفطار وبعده لأقسام الطوارىء في المستشفيات تكشف أعداد ضحايا الطعام والشراب، فقبل موعد الإفطار، تتحوّل الشوارع إلى ميادين للسباق بالسيارات، وتكتظ المشافي بالضحايا، في حين تزدحم المشافي ذاتها بالمتخمين الذين فاضت أمعاؤهم بالطعام والشراب حتى ضجّت بالآلام المبرّحة.

خرجت هذه الشعيرة الأساسية عن مقاصدها لدى الكثيرين الذين لم يعودوا يتذكرون أنّ الصوم يعني الامتناع، وفي المقابل يعني السخاء عبر تزكية النفس ببذل الخير، والتعاطف مع الفقراء والمحتاجين، والتكافل الاجتماعي، والتواصل الإنساني، وتصفية الروح من سموم العداوات.

وما يُعيد هذه العبادة إلى سِكّتها السليمة الدفاع المجتمعي والفقهي والأخلاقي عن مكاسبها في تحويل «رمضان» إلى محطة لمساعدة الفقراء والمحتاجين، في شكل منهجي ومؤسسي، وهنا يأتي دور الفقهاء والدعاة في توجيه دفة الصائمين نحو تخصيص جزء من أموالهم المُنفقة على الطعام والشراب والمآدب العامرة، لمصلحة محتاجين يأملون أن يسهم هذا الشهر في سدّ رمقهم، وإعالتهم ومساعدتهم على مواجهة غوائل الحياة لأبعد من شهر.

الدين، مثل أي فكرة، يكسب عندما تتحول نصوصه إلى خطط عمل، أو إلى مشاريع ينتفع منها النّاس الذين ما زالوا يرون في الأديان منصة للخير، ولرتق خروق الحياة، ومقاومة إكراهات العيش في الصحارى الأخلاقية، وغياب قيم العدل والخيرية والأخوة الإنسانية.

ويمكن لمنافع الصيام أن تتعدى أفق الطعام والشراب، إن تم، على نحو عميق، فقه هذه الشعيرة التي ينظر إليها كثيرون على أنها أصعب الشعائر وأطولها، ما يستدعي تحويل هذا الشهر إلى خير دائم موصول يفيض على أشهر السنة، إن كنّا راغبين، حقاً، في إظهار الوجه التضامني للدين، أو كنا نعلم، كما تقول النصوص الدينية، كيف تُفتح في هذا الشهر «أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار»، وإنّ الله فضّل «رمضان» على باقي شهور العام، «فأنزل فيه القرآن وفيه تغفر الذنوب، ويَعتق الله من يشاء من النار، وفيه ليلة القدر، وفيه تصفد الشياطين، وهو شهر البركة».

الدنيوي في «رمضان» في ربع القرن الأخير يهزم الديني، والإنفاق فيه يتجاوز بنسبة 150 في المئة سائر الأشهر، ومن هذا الإنفاق «الأسطوري» لا يحظى الفقراء والمحتاجون إلا بالفُتات، فثمة من يتضوّر من الجوع وقلة الحيلة، يقابله من يتضوّر من فرط التخمة. وعلى هاتين الضفتين تُمتحن مقاصدية الدين!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع