مسألة أمين معلوف وهوياتنا القاتلة – إرم نيوز‬‎

مسألة أمين معلوف وهوياتنا القاتلة

مسألة أمين معلوف وهوياتنا القاتلة

بيسان الشيخ

أمين معلوف حر. له أن يظهر على أي منبر إعلامي يشاء من دون أي حساب معلن أو مضمر غير رغبته الشخصية وخياره الفردي بالظهور أو الاحتجاب، شأنه شأن أي مواطن فرنسي، لا يعيبه التحدث إلى قناة إسرائيلية للتعبير عن رأيه هو، وأفكاره هو، لا عن رأي الجماعة (الوطنية، القومية، الطائفية، القبلية… الخ) وما تتوقعه منه أو تسبغه عليه من مواقف.

مسؤولية معلوف تقتصر على مضمون أفكاره ولا تشمل الجهة التي تحاوره وكفاءتها المهنية، أو سياساتها التحريرية، وإن كان يمكن نقاشه وربما الاختلاف معه في جدوى الظهور ذاك، وحاجته الفعلية له، وهو الكاتب والمؤرخ الذي لا يعدم منابر التعبير ووسائلها. على أن يبقى ذلك ضمن هذا الحد من المفاضلة، لا أن يقفز إلى رشقه بتهم باتت تحتاج لإعادة تعريف بحد ذاتها.

ومعلوم أن تلك الحرية ليست امتيازاً يمنح للرجل لأنه أمين معلوف، كما تمنح (أو تسحب) الامتيازات والحصانات ونياشين الوطنية في بلداننا، بل هي حق مصان وتلقائي لكل مواطن لا تعيقه قوانين بلاده من التحدث إلى وسيلة إعلامية، تحسب «معادية» فقط في عرف طرف ثالث نصب نفسه وصياً على عقل الفرد وخياراته. أما في العرف الفرنسي العام، أو بالأحرى في أي عرف غير لبناني/ عربي بالمطلق، فلا خيانة، ولا تطبيع، بل مجرد مقابلة تلفزيونية، تعكس رأي صاحبها فقط لا غير.

وما لم يكن معلوف أو غيره، أعلن صراحة انتماءه لتيار مقاطعة إسرائيل، وهو تيار واسع وقوي أوروبياً وأميركياً أكثر مما هو ملحوظ عربياً، ثم خرق عهده ونكث وعده ذاك، فلا يملك أحد حق محاسبته. فكيف والرجل لم يفعل؟!

والمضحك المبكي أن بعض جمهوره ذهب به الغضب إلى حد إعلان مقاطعة مؤلفاته في المقبل من الأيام، كنوع من العقاب، والتحسر على زمن أعجب به وكان فيه مخدوعاً، إلى أن جاءت تلك المقابلة لتميط اللثام عن وجه معلوف الحقيقي، «الخائن لقضايا شعبه والمطبّع مع العدو». تلك هي العقلية نفسها التي منعت قراءة كتب ومؤلفات ودراسات أصدرها إسرائيليون عن أنفسهم وعنا، بذريعة معاقبتهم وإنزال القصاص بهم. فقرأونا، ودرسونا، وشرّحونا حتى حفظونا عن ظهر قلب… ونحن في جهلنا آمنون.

وإلى ذلك، فإن إشهار أصول معلوف اللبنانية بصفتها انتماء أيديولوجيا مفروضاً عليه فرضاً ويرتب عليه مواقف وخيارات بمعزل عن ذاتيته، فهو مما يكرسها واحدة من تلك الهويات القاتلة التي كتب عنها بنفسه. فيسهل إذ ذاك قتله بهذا السلاح عبر تجريده من إرثه الفكري والثقافي واعتبار ما أنجزه «منّة» غربية عليه ودلالاً مفرطاً له.

بل أكثر من ذلك، أصبحت جنسيته الفرنسية و»انتماؤه» لها فكراً وإنتاجاً أدبياً، مأخذاً عليه، وخيانة لـ «هويته» اللبنانية الأولى. وتحولت «لبنانيته» فجأة إلى قضية نضالية بات مطالباً بالدفاع عنها، لا بصفتها الوطنية فحسب، بل بصفتها امتداداً لقضية عابرة للأوطان هي القضية الفلسطينية.

لكن قضية أخرى عابرة للأوطان أيضاً فرضت نفسها في النقاش، هي الثورة السورية، التي جاءت تنافس مركزية فلسطين في العقل والوجدان العربيين، وطرحت معايير جديدة في التخوين و»التطبيع» لا تقتصر على إسرائيل بل تشمل من يماثلها في الأداء والنهج، أي النظام السوري. وعليه وقع المدافعون عن أمين معلوف، والمبالغون في التهليل لظهوره على قناة إسرائيلية، بصفته فعل تحد لثقافة «الممانعة» واختباراً لها، في فخ الممانعين نفسه. فهم لم يكتفوا بتخوين خصومهم انطلاقاً من موقفهم المعادي للثورة السورية، بمعزل عن نقاش الحريات الفردية في اختيار منابر التعبير وأساليبها، بل اعتبروا الظهور على شاشة «عدوة» (حتى بتعريفهم) أمراً مستحباً ومطلوباً للتوجه إلى الجمهور الآخر، المغاير.

ولا شك أن الموقف من الثورة السورية، كما من القضية الفلسطينية قبلها، لا يقتصر على كونه مجرد خلاف فكري حول أداء سياسي، وإنما يتعداه إلى عمق أخلاقي وإنساني أبعد، وإلى واجب الدفاع عن حق شعب في التحرر من الظلم أياً كان مصدره.

لكن ذلك يلقي مسؤولية مضاعفة على من يميلون إلى إشهار الموقف من الثورة السورية سلاحاً «أخلاقياً» وحيداً في وجه خصومهم من الممانعين. فالأخيرون لم يطرحوا على أنفسهم هذا التحدي أصلاً. أما هؤلاء، فهم أمام اختبار عدم الانزلاق إلى وحول «مركزية القضية»، وتخوين مقابل وإعادة إنتاج ممانعة جديدة.

وفي مسألة كتلك المقابلة التلفزيونية لأمين معلوف، التي لم يناقش مضمونها، هم مطالبون قبل غيرهم بالإجابة عن سؤال إن كانوا سيعتلون منابر إعلامية تابعة للنظام السوري أو حلفائه في لبنان، للدفاع عن موقفهم ومناصرة قضيتهم. فإن كان الطرفان يتعادلان في الإجرام، فلم يقبل هنا ما يرفض هناك؟

لا يجدي كثيراً النقاش في مهنية الإعلام الإسرائيلي ومقارنته بالإعلام السوري، فذلك ترف يملكه رجل حر يعيش في بلد حر مثل أمين معلوف… أما نحن فأسرى هويات وقضايا وأوطان نزلت علينا كاللعنة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com