لغز «تقرير بان كي مون»!

لغز «تقرير بان كي مون»!

محمد خلفان الصوافي

رغم أن الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» عاد يوم الاثنين الماضي ليظهر انحيازه للحقيقة ويتراجع عن تقرير كان قد أصدره الجمعة حول التحالف العربي في اليمن، فإن التقرير بحد ذاته يثير عدداً من الأسئلة التي تتعلق بمضمون ما يحتويه من مواقف المنظمة الدولية تجاه العديد من القضايا السياسية والأمنية التي تتعلق بالاستقرار والأمن الدوليين، حيث سجلت في عدد منها عجزاً واضحاً مثل البوسنة والهرسك. وكذلك يثير تساؤلات تجاه مواقف دول معروفة لدى المجتمع الدولي بـ«عربدتها» السياسية والأمنية في المنطقة مثل: إيران وما تقوم به في كل من اليمن عن طريق «ذراعها السياسية» هناك ميليشيات الحوثي، والعراق من خلال ميليشيات «الحشد الشيعي»، وسوريا حيث تشارك بقوات من الحرس الثوري وميليشيات متعددة الجنسيات.

وعلى الرغم من أن التقرير كان مجرد مشروع قرار لحين التصويت عليه في مجلس الأمن، فإنه مثل مؤشراً مهماً لمعرفة طريقة تفكير وإدارة أمين عام الأمم المتحدة للأزمات الدولية المؤثرة على استقرار العالم.

في الحقيقة يصاب المراقب بالذهول من موقف السيد «مون» والمدى الذي وصلته المنظمة الدولية في تجاهل دورها الأصلي والأساسي والذي أنشئت من أجله، وهو تحقيق الاستقرار والأمن. ولو تتبعنا هذا العنصر في اليمن، حيث جاء تقرير المنظمة، لوجدنا أن الحوثيين المنقلبين على الشرعية هناك، تسببوا في فوضى سياسية وأمنية في البلاد ووصل بهم الأمر لأن يهددوا استقرار المنطقة، بل إنهم، وباعترافهم، قاموا بقتل العديد من الجنود اليمنيين وأبناء الشعب اليمني، كما أنهم يرفضون حتى الآن إبداء أي مرونة في التوصل إلى صيغة سياسية لاستقرار اليمن.. وهو ما يعطينا المجال لوصف التقرير الأممي بأنه يميل إلى التدليس وليّ الحقائق وإخفائها عن الرأي العام العالمي، مما يجعل المراقبين يوقنون بأن موقف «مون» غير حقيقي، وأنه مجرد ترويج لأسطورة تاريخية لدور هذه المنظمة ومحاولة دغدغة مشاعر بعض الناس في العالم.

كما أن التقرير قصد تضليل الرأي العام العالمي والعمل على خداع الناس العاديين، فهو يخالف قرارات المنظمة الدولية عندما يتناسى القرار الدولي رقم (2216) الذي ينص على دور هذا التحالف في حماية الشعب اليمني من ممارسات الحوثيين، وهو ما ينبهنا إلى أن في الأمر كذبة كبرى على أساس أنه لا يجوز انتقاد المنظمة نفسها ما دامت هي من أقرت القرار، كما أنها لا تستطيع أن تتحلل منه، لأنه خرج منها!

وربما أراد التقرير أن يوهم المراقبين بأن هناك تحركاً أممياً تجاه القضايا الإنسانية في العالم، مع أن الحقيقة هي أن اليمن كان إحدى نقاط فشل هذه المنظمة في حماية الإنسانية، حاله كحال البوسنة والهرسك وروندا وبوروندي، وأن يوهم أن هناك أخذاً وردّاً من شأنه أن يبرز دور المنظمة في استرداد حقوق الشعوب التي تعاني تدخلات الدول الأخرى، متناسياً ما تفعله إيران في العراق من مجازر، ومتجاهلاً عربدة الجيش الإسرائيلي أكثر من نصف قرن وما يقترفه بحق الشعب الفلسطيني.

يبدو أن تحرك هذه المنظمة يسير في اتجاه مختلف تماماً عما أنشئت من أجله بعد الحرب العالمية الثانية، وكأنه يؤكد أنها فعلاً تحتاج إلى إعادة صياغة أهدافها وتعديلها لتتناسب وحاجات الإنسانية، فمحور هذا التقرير، كما يتضح، يقدم خدمة لبعض السياسات الدولية والإقليمية التي لم تستطع تحقيق أهدافها في المنطقة.

على مر التاريخ، اقتصر دور أمين عام الأمم المتحدة على ترديد تصريحات إعلامية تثير إشكالات أكثر مما تعمل على معالجة مشكلة أو قضية، آخرها تصريحات بان كي مون حول نزاع الصحراء المغربية بين الجزائر والمغرب، وهو بالطبع عكس ما تفعله قوات التحالف العربي في اليمن وبقرار من الأمم المتحدة نفسها.

هناك تفكير جماعي من المراقبين في محاولة العثور على تفسير مناسب لبعض أفعال الأمين العام للأمم المتحدة وتصريحاته حول ما يهدد استقرار العالم، أما في حالة تقريره الأخير، فإن هناك تساؤلات قوية حول شرعيته، إذ يوجد قرار من الأمم المتحدة بالتدخل لإعادة الشرعية الدستورية في اليمن، وبالتالي كان الأجدر أن يكون تقرير بان كي مون داعماً لقوات التحالف العربي بدلاً من اتهامها، لأن للتقرير شروطاً غير متوفرة في هذا التقرير المذكور، لذلك لم يكن مفاجئاً أن تتراجع الأمم المتحدة عنه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com