عزيزتي الضحية

عزيزتي الضحية

علي عبيد

عزيزتي الضحية…

أعرف أنك قد تستغربين توجيه هذه الكلمات إليك، فقد تعودتِ أن توجه إليك اللكمات لا الكلمات، وأن تكال لك الصفعات لا أن يُسال من أجلك الحبر على الصفحات، وأن تكوني نقطة على الهامش لا في منتصف السطر ولا آخره.

ومع هذا قررت أن أتوجه إليك بهذه الكلمات، علّها تعيد إليك بعض الثقة التي فقدتِها في نفسك، قبل أن تفقديها في أولئك الذين خدعوك بمعسول الكلام ومسمومه حتى أوقعوك في الفخ، أو أدخلوك القفص وصاروا يرقصون حولك، ويساومون عليك، قبل أن يطلقوا رصاصة العذاب عليك، ويمكروا بك ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك كما فعلوا بالأنبياء قبلك، ولكن «يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين».

وأعرف أنك قد سمعت كلاما كثيرا قبل هذا، وتلقت جعبتك وعودا كثيرة، أقلها أن توضع الشمس في إحدى يديك والقمر في الأخرى، وأن يخرج العفريت من المصباح بمسحة من يدك ليقول لك: «شبيك لبيك.. عبدك بن يديك».

لكنّ هذه الوعود كلها تبخرت في لحظة حُجِبت فيها الشمس عن عينيك، وغاب فيها القمر عن سماك، وخرجت كل العفاريت، إلا عفريت المصباح، لتخسف بك الأرض، وتقول لك إنك لست أكثر من حشرة تدوسها الأقدام عندما تتعارض مصلحتك مع مصالح أولئك الذين أوهموك ذات يوم أنك طفلتهم المدللة، وأنك غاية كل المشاريع التي يسعون إلى تحقيقها، فإذا بك المشروع الأوحد الذي يضحون به، وإذا بمشاريعهم الأخرى تحتل الصدارة في اللحظة التي انكشفت فيها النيات وسقطت الأقنعة.

وأعرف أنك لم تعودي تثقين بأحد، بعد أن وضعتِ ثقتك في كثيرين، اختلفت الأقنعة التي كانوا يرتدونها، وتشابهت الوجوه عندما سقطت تلك الأقنعة وظهر الوجه الحقيقي لهم، ولم يعد تحت الشمس سوى حقيقة واحدة، هي أن ثمة صيادا يبحث عن فريسة.

وأن ثمة فريسة تبحث لنفسها عن مخرج من الورطة التي وقعت فيها، وأن كل الطرق التي أمامها والتي خلفها أصبحت مسدودة، أو مزروعة بالألغام، أو محروقة بالقنابل العنقودية وغير العنقودية والبراميل المتفجرة، وبكل ما تفتق عنه ذهن الطغاة من أساليب الحرق والإبادة، وكل ما اخترعوه من طرق الملاحقة والقتل والغدر.

رغم كل الوعود التي أطلقوها من داخل الغرف المغلقة والمفتوحة، ومن فوق منصات المنظمات الدولية التي يتناوب إلقاء الخطب عليها المتحدثون الرسميون، في حين لا ينالك أنت من خطبهم سوى رصاص البنادق ودانات المدافع الموجهة إلى صدرك، وما تلقيه الطائرات فوق رأسك، غير مفرقة بين رجل وامرأة، ولا طفل صغير وشيخ كبير وعجوز هرمة.

وأعرف أنك تعتقدين أنني أوجه الخطاب الخطأ إلى الجهة الخطأ في التوقيت الخطأ، لأنني غير قادر على إيصال صوتي إليك، ولأنك غير قادرة على سماع هذا الصوت، ولأن الوقت قد تأخر كثيرا، فلم تعد مواساة الضحية مفيدة، ولم يعد لوم الجاني مجديا هو الآخر، فأي كلام الآن لا يعدو أن يكون ثرثرة هي أقرب إلى الفضفضة منها إلى الكلام السديد الذي يُبدِئ ويعيد.

ومع هذا فأنا مصرٌّ على توجيه الخطاب إليك، ليس من باب العناد، وإنما من باب أننا جميعا مشاريع ضحايا للطغاة والطامعين، الذين يتربصون بنا آناء الليل وأطراف النهار، ولأصحاب الأجندات الخبيثة الذين يتسترون بالدين حيناً، وبالمذهبية حيناً، وبإقامة شرع الله حيناً، وبالوطنية حيناً. وكل هذا محض كذب وتدليس وافتراء، لأنهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقيمون وزناً إلا لمنفعتهم، ولا يعترفون بدين ولا معتقد ولا وطن عندما تتعارض مصالحهم مع مصلحة الدين والمعتقد والوطن.

عزيزتي الضحية…

نعم أنت عزيزتي، وعزيزة كل حر شريف يتمتع بحس إنساني مرهف، رغم هوانك على من أوهموك أنك عزيزة عليهم عندما احتاجوا صوتك كي يستخدموه غطاء وواجهة للشريعة التي يزعمون أنهم يمثلونها، ثم تفننوا في توجيه الإهانات إليك عندما سقطت الأقنعة المزيفة التي كانوا يرتدونها، وظهرت البشاعة التي كانوا يخفونها، فداسوا الشرعية بأقدامهم قبل أن يدوسوك أنت.

وصنعوا من جثث ضحاياهم جسورا للعبور إلى المستقبل الذي يبقيهم على قمة السلطة، أو يجعلهم يستولون عليها، حتى لو كانت هذه السلطة منقوصة، ملطخة بدماء الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز، منسوجة من أشلاء الذين يقضون كل يوم في المستشفيات والمدارس والمنازل التي تقصفها طائراتهم، وتدكها مدافع جنودهم الذين الأشاوس كما يدّعون.

وهم أجبن من أن يطلقوا رصاصة واحدة في وجه غاز أجنبي أو عدو محتل، لكنهم شجعان إذا ما دعاهم طغاتهم وأمراؤهم لقتل أبناء الوطن الذي يزعمون أنهم ينتمون إليه، وحرق المنازل والمستشفيات ودور العبادة، ودكّ كل سقف يقف تحته ضعيف أعزل هارب من طغيانهم وجبروتهم.

سوف يكتب التاريخ أننا عشنا في زمن أصبح سفك الدماء فيه أسهل من شرب الماء، وأن الأرواح فيه أصبحت سلعة معروضة للبيع والشراء، وأن المجرم يحرّم على الضحية فيه الشكوى، ويسلبها حق البكاء، وأن أخذ «السلفي» مع جثث القتلى صار هواية محببة لبعض النساء، وأن أطفاله صاروا قتلة محترفين على يد المتطرفين والمتشددين الأدعياء.

فكيف سنواجه ربنا يوم الحساب، ونحن نقف اليوم مستسلمين خانعين مستلبين، لا إرادة لنا تغير الواقع، ولا قوة لنا تردع الظالم وترفع الظلم عن المظلوم، ولا حول لنا سوى الانتظار على رصيف الزمن، حتى ينبعث طائر الفينيق من تحت الرماد أو نحترق؟!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com