«الاعتذار».. الفضيلة الغائبة

«الاعتذار».. الفضيلة الغائبة

عبد الحميد الأنصاري

مراجعة الذات والاعتراف بالخطأ والمبادرة إلى تصحيحه والاعتذار عنه، ثم التعويض عن الضرر، كلها قيم أخلاقية سامية، تحث عليها النصوص الدينية، ولعلّ كلمة «التوبة» ومشتقاتها من أكثر الألفاظ دوراناً في القرآن الكريم. وما التوبة إلا التعبير الأسمى عن فضيلة «الاعتذار»، وهناك عشرات النصوص في تمجيد «النفس اللوّامة» التي تراجع نفسها باستمرار، وتنشغل بتصحيح عيوبها بأكثر من انشغالها بعيوب الآخرين، عشرات النصوص الدينية في وجوب إحسان الظن بالآخر وتلمس الأعذار له، والصفح والإحسان، لأن الاعتذار هو البلسم الشافي للجراح وله أعظم الأثر في تذويب العداوات وإزالة المرارات وتأليف القلوب ومواساة المشاعر. الاعتذار عنوان الرقي، ومطهر صحي للذات، ومصحح للسلوك، وله فعل السحر في النفوس، وفي كسب القلوب ومداواة الجروح، وإزالة الاحتقانات، تأمل قوله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، «سورة فصلت: الآية 34»، وقوله عز وجل: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، «سورة الفرقان: الآية 63».

التساؤل المحير: إذا كانت لثقافة المراجعة ونقد الذات والاعتذار، هذه المكانة العالية في ديننا وفي تراثنا الإسلامي وأدبياتنا الثقافية، فلماذا هي غائبة أو مغيبة في المجتمعات العربية والإسلامية؟! لماذا لا نعتذر عن أخطائنا؟ من لا يعتذر، لا يتعلم من أخطائه، فلا يطور نفسه وحياته إلى الأفضل؟ ما أكثر الإساءات وما أقل الاعتذارات! شعوب، ودول، وأحزاب، ومنابر، ورموز دينية، وسياسية، وثقافية.. تسيء إلى بعضها بعضاً، ثم تكابر وتناور وتراوغ ولا تعترف بالأخطاء ولا تعتذر! لا يقدم على الاعتذار إلا من عنده الثقة بنفسه، ومن عنده الشجاعة في تحمل المسؤولية ما يجعله يصحح مواقفه، وما أقل هذه المواقف الشجاعة في حياتنا المعاصرة! الأنظمة الثورية المتعاقبة ألحقت الهزائم والكوارث بأوطانها ولم تعتذر لشعوبها، الحكام الديكتاتوريون تسببوا في قتل ملايين البشر وتشريدهم وتهجيرهم ولم يعتذروا، وحتى على مستوى التنظيمات السياسية لم نجد إلا اعتذاراً وحيداً أو مراجعة للجماعة الإسلامية بمصر، القوميون لم يعتذروا، اليساريون لم يعتذروا ولم يقوموا بأي مراجعة نقدية، والإسلاميون كذلك لم يعتذروا مع أنهم يتلون الكتاب! جماعة «الإخوان» بمصر لم تعتذر عن ماضيها الدموي، ولا عن حاضرها العنيف، بل صرح كبيرهم ذات يوم «الإخوان لا يعتذرون»! لا أحد فوق الاعتذار، وهذا ما جعل جمال البنا يصف الجماعة بأنها «لا تتعلّم ولا تنسى»!

وبالأمس، وقف اتحاد الكتاب العرب، ونقابات المحامين ورموز ثقافية، وزعماء لأحزاب قومية ونضالية ودينية في خندق صدام ولم يعتذروا للشعبين العراقي والكويتي.. كما دافع العديد من الرموز الدينية عن «بن لادن» وبرؤوه من عملية 11 سبتمبر، واتهموا «الموساد» والمخابرات الأميركية، ثم ظهر الرجل بنفسه واعترف علناً بأنه وراء العملية، لكن لا أحد من هؤلاء اعتذر واعترف بخطئه!

ولعل الاعتذار النادر في الحياة السياسية العربية، قيام «أبو مازن» بزيارة الكويت، ومعه وفد رفيع، لتقديم اعتذاره عن موقف سلفه: «نعتذر عما بدر منا، ونقول لأهلنا في الخليج، نحن بحاجة ماسة إلى دعمكم ومساندتكم»، فيأتيه الرد السمح الجميل من القيادة الكويتية: «يا سيدي.. لماذا نتحدث عن الاعتذار.. الموضوع انتهى، وأنت بين إخوانك في دولة الكويت، وكلنا معك ونساندك». ما أجمل هذا الاعتذار الثمين! وما أجمل هذا الرد الجميل! حري بنا أن نرسخ أداب الاعتذار في مجتمعاتنا ونشجع ناشئتنا عليه.

ختاماً: لماذا تغيب ثقافة الاعتذار في مجتمعاتنا؟ هناك جملة عوامل منها:

1- ادعاء تملك الحقيقة أو الصواب المطلق، ومثل هذه العقلية لا تميل عادة إلى الاعتراف بالخطأ.

2- ثقافة الإنكار الراسخة في التربة المجتمعية، والتي تنزع غالباً إلى اتهام الآخر وتبرئة الذات.

3- توهم أن الاعتذار، يمثل موقف ضعف وانتقاص.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com