إسماعيل شيرين.. درس فى الوطنية

إسماعيل شيرين.. درس فى الوطنية

حلمي النمنم

كنت أتصور أن «إسماعيل شيرين» اختير عضواً فى فريق التحكيم المصرى حول أرض «طابا»، والذى شكله الرئيس السابق حسنى مبارك، برئاسة د. حامد سلطان أستاذ القانون الدولى، لكن د. مفيد شهاب صحح الواقعة، وأكد أن شيرين لم يكن عضواً فى الفريق الذى ضم د. وحيد رأفت نائباً للرئيس، وكان أيضاً لرئيس حزب الوفد.

إسماعيل شيرين هو آخر وزير للحربية فى عهد الملك فاروق، وكان زوجاً لشقيقة الملك الأميرة فوزية، بعد طلاقها من شاه إيران محمد رضا بهلوى. تزوج إسماعيل الأميرة الجميلة والرقيقة سنة 1949، وكان ضابطاً بالجيش المصرى، واختير عضواً فى وفد مباحثات الهدنة بين مصر وإسرائيل التى وقعت فى «رودس» بعد حرب 1948، ويُذكر من المقربين للملك فاروق فى أيامه الأخيرة فى مصر، وكذلك من بعض الكتاب والدارسين أن إسماعيل، الذى ينحدر من أسرة محمد على، كان منتبهاً بقوة إلى أن عرش الملك يترنح وحاول أن يلفت انتباهه إلى ذلك، كان ولاؤه للملك كبيراً، وكان اقتناعه كاملاً بأن العرش يترنح، من خلال موقعه بالجيش كضابط ثم كوزير، كان يرى بوضوح تام التذمر داخل الجيش، ولعله لمس بعض تحركات الضباط الأحرار، لكن الملك لم يستمع إليه.

بعد خروج الملك فاروق من مصر يوم 26 يوليو 1952، خرج إسماعيل وزوجته واستقر بهما المقام فى جينيف، وبدأت إجراءات التحكيم بين مصر وإسرائيل، وكان مقر المحكمة فى «جينيف»، وعلم هو بالأمر، فذهب بنفسه إلى فريق التحكيم المصرى عارضاً أن يدلى بشهادته أمام المحكمة، لكى يثبت أن طابا مصرية، وتلخصت شهادته فيما روى د. مفيد شهاب، فى أنه كان قائداً للكتيبة المصرية فى «طابا»، وأن لديه فى أوراقه، خطابات رسمية بعث بها إلى زوجته وأسرته من طابا، ولديه ردود على تلك الخطابات أرسلت إليه فى «طابا»، وأن أختام البريد والطوابع تؤكد ذلك، ورحب الفريق به شاهداً، وقبلت به المحكمة، وأدلى بشهادته التى زادت من اقتناع المحكمة بأحقية مصر فى «طابا».

كان الفريق المصرى استعد وتقدم بما لديه من وثائق وخرائط، فضلاً عن الحجج والدفوع والزيارات الميدانية إلى المنطقة، بما يدعم الحق المصرى، لكن المحكمة الدولية لم تكتف بذلك، وفتحت باب الشهود، وكان على كل طرف أن يدفع بشهوده ليؤكد موقفه، فتقدم تلقائياً إسماعيل شيرين، ولم يكن قد طُلب، وأكاد أقول إن أحداً ربما لم ينتبه لوجوده، ولا أحد كان يعلم بسابق خدمته فى «طابا»، فقد كان مبعداً منذ ثورة يوليو، ونُسىَّ تماماً باعتباره من «العهد البائد»، ولا يذكره أحد، سوى بعض الباحثين، الذين يكتفون بذكر زواجه من الأميرة وتوليه الوزارة بسبب تلك المصاهرة، لمدة ثلاثة أيام!، لكنه بقى مصرياً، محباً ومخلصاً لبلده، وضابطاً وفياً من ضباط الجيش المصرى، وإنسانا نزيها لا يكتم شهادة الحق، حتى لو لم تطلب منه.

لم يمنعه الخلاف السياسى ولا استشعار الغبن عن وطنيته، ولا عن أن يقف إلى جوار وطنه وبلده، فى موقف حاسم وفارق، كهذا الذى مرَّ بنا، وانتهى إلى الحكم لصالح مصر فى سبتمبر سنة 1989.

لم ينتظر إسماعيل شيرين جزاء ولا شكوراً، ولا طلب مقابلاً، ولا سعى لنيل أى شىء، معنويا أو ماديا، أرضى ضميره كإنسان، ولم ينس فى لحظه أنه مصرى، وأن عليه واجبا تجاه بلده، حتى بعد مرور 37 سنة على خروجه ومغادرته له نهائياً، وانتقل إلى رحمة الله سنة 1994، ودُفن بمصر، فى صمت تام، دون الالتفات أو الوقوف أمام ما قام به.

ونحن نحتفل بذكرى تحرير سيناء، هناك أبطال كُثر، منسيون ومجهولون، قدم كل منهم ما أُمكن له، وما قدر عليه؛ من روحه ودمه أو ماله أو نضاله، فى أى ميدان أُتيحَ له أن يناضل فيه، فعلوا ذلك بنبل وحب وإخلاص، لم يعلنوا حتى عن أنفسهم، لم يفاخروا بما قاموا به، ولم يزايدوا أو يتزيدوا، ومضى كل منهم فى طريقه شامخاً وصامتاً.

إسماعيل شيرين واحد من هؤلاء النبلاء، نموذج للوطنية المصرية، يستحق أن نقف عنده طويلاً، بالإكبار والتقدير.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com