على أصابع اليدين!

على أصابع اليدين!

سليمان جودة

فى الحكومة وزراء قلائل يعرفون أنهم جاءوا إلى مواقع المسؤولية من أجل مهمة قتالية، ويعرفون أن كل مصرى ينتظر منهم إنجاز هذه المهمة كاملة على الأرض، ويعرفون أن الحالة الصعبة التى يمر بها البلد لا تحتمل أن يكون هذا الإنجاز نصف إنجاز!

أستطيع أن أحصى هؤلاء الوزراء على أصابع اليدين، وأستطيع أن أقول إن الدكتور مصطفى مدبولى، وزير الإسكان، واحد منهم، وأستطيع أن أقول إن الدولة عندما تستعين به، فى موقعه الحالى، وهى تعرف أنه مخطط عمرانى، فهى تضع الرجل فى مكانه.

لقد كنت فى مدينة العاشر قبل أيام، ورأيت بعينى هناك آلاف الشقق التى سوف يتسلمها أصحابها من الشباب قريباً، وعرفت أن ما رأيته فى العاشر يتكرر فى الوقت نفسه فى 22 مدينة بامتداد الجمهورية، وأن العنوان الأعم الذى يجمع مئات الآلاف من هذه النوعية من الشقق فى الـ22 مدينة هو: مشروع الإسكان الاجتماعى.. وهو مشروع ضخم للغاية يتبناه الرئيس شخصياً، وقد وصل حماس الرئيس له إلى الحد الذى طلب فيه من الوزير أن يبنى فى عام واحد 400 ألف شقة، بدلاً من 200 ألف، وقد اعتبر الوزير أن طلب الرئيس أمر، وفى نهاية إبريل المقبل سوف تكون الـ400 ألف شقة فى أيدى أصحاب النصيب.. ولابد أن مشروعاً بهذا الحجم، ثم بهذا الهدف، يبقى فى ميزان الرئيس، وفى ميزان القائمين عليه من بعد الرئيس!

وما يميز أى شقة من هذا العدد الهائل من الوحدات السكنية، أنها ليست شقة والسلام، وأن الذين قاموا ويقومون على تنفيذ المشروع فى مجمله يدركون مسبقاً أن السكن إذا لم يكن آدمياً، فهو ليس سكناً، وأن الآدمية إذا غابت عنه، فلا فرق عندئذ بين المسكن وبين المدفن!

وإذا كنت سوف أعيد تذكير الوزير بشىء فى هذا السياق، فهذا الشىء هو طلب الشاعر الكبير جمال بخيت بأن تكون نقابة الفنون التشكيلية ثم التشكيليون بوجه عام، طرفاً أصيلاً فى المشروع، فى المستقبل، لأن الجانب الجمالى فيه لا يجوز أن يغيب عنا أبداً، ولأن العين من حقها أن تجد راحة، وأن تجد متعة، وأن تتشرب ثقافتها بالمعنى العام، وهى تتطلع فى أى اتجاه!

وإذا كان هناك شىء يحقق مبدأ العدالة الاجتماعية، بمعناه الأشمل، فهو هذا المشروع فى حدوده، من حيث مستوى الوحدة السكنية، ومن حيث حجم دعم الدولة لها، ثم من حيث سعرها الذى يمكن أن يقال عنه إنه معقول.

لقد رفعت ثورة يوليو 1952 مبدأ العدالة الاجتماعية وكان واحداً من مبادئها الستة الشهيرة، وفى 25 يناير 2011، عاد المصريون يرفعون المبدأ ذاته، وجعلوه شعاراً من شعارات 25 يناير الثلاثة، وفيما بعد 30 يونيو 2013، راحوا يفتشون عن «العدالة الاجتماعية» فى حياتهم ولايزالون، وليس مهماً أن تكون العدالة من هذا النوع مبدأ، أو شعاراً.. فالمهم أن تتجسد فى حياة الناس، وأن يقع فى يقين الدولة أن العدالة الاجتماعية ليست مجرد علاوة توضع فى جيب هذا، ولا هى مجرد حافز يستقر فى جيب ذاك من المواطنين، ولكنها خدمات عامة تقدمها الدولة لمواطنيها بمستوى آدمى، من أول التعليم، مروراً بالصحة، وانتهاء بالإسكان الذى أظن أن هذا المشروع الاجتماعى يحققه، وأنه فى حاجة إلى مزيد، حتى لا يبقى فى البلد شاب يبحث عن سكن، فلا يجد، أو مواطن يقيم فى سكن عشوائى لا يليق به كبنى آدم.

الحياة الآدمية للمواطن ليست منحة له من الدولة، ولكنها حق يكفله الدستور، وتحميه ثورتان!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة