ثقب أسود

ثقب أسود

سمير عطا الله

يقول الدكتور سامي شرف، وزير جمال عبد الناصر وظله ومدير مكتبه: ”كانت الصحافة اللبنانية جزءاً هاماً من يوم جمال عبد الناصر، يحرص بشكل ملحّ على الاطلاع على الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية في حد ذاتها، وليس من خلال ملخصات، من الصفحة الأولى إلى الأخيرة، وإذا تأخر وصولها، يسألني عنها باستمرار، لأنه كان يعتبر الصحافة اللبنانية مرآة لسياسات القوى المؤثرة في الاحداث العالمية وفي العالم العربي والشرق الأوسط (…). كما كان للرئيس جمال عبد الناصر علاقات شخصية مع الكثير من الصحافيين اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم، وكان يهتم بأن يدعو بعضهم إلى القاهرة للتشاور معهم ومناقشتهم ، ويبلغهم بما يريد من آراء ومعلومات“. يومها، كان عبد الناصر الزعيم الأول في العالم العربي، وأحد زعماء العالم الثالث وقادة عدم الانحياز. وتلك كانت الصحافة، وتلك كانت بيروت، كعاصمة سياسية ومدنية واعلامية. وسبب هذا الكلام الآن، أو اسبابه، هو أن الصحافة في ازمة وجودية كبرى، وأن صورة بيروت في الاعلام والعالم، هي صورة المناضل بيار حشاش مهاجماً مكاتب صحيفة ”الشرق الأوسط“ على رأس مفرزة من ثمانية مدافعين عن شرف لبنان.

كانت صحافة لبنان على تلك الأهمية، عندما كان لبنان مرآة، ليس فقط لسياسات العالم، بل ايضاً لحضاراته وحرياته وفنونه. وكان يعبر عن مناخ الرأي العام في لبنان والعالم العربي غسان تويني وجورج نقاش وسعيد فريحة وكامل مروة وسعيد عقل. وعندما صدر كتاب ”يارا“ لسعيد عقل العام 1961 بالحرف اللاتيني و“اللغا اللبنانيي“ طلب عبد الناصر شخصياً من سعيد فريحة أن يوقف سعيد عقل عن الكتابة في ”الصياد“. وكان جبران حايك ينتظر تلك اللحظة، فعرض على الشاعر 2000 ليرة شهرياً بدل خمسمئة: نصف ليرة على كل كلمة، للكتابة في ”لسان الحال“. فالقارىء ايضاً كان يهفو إلى قراءة الكبار، تاركاً اخبار السيدة هيفا وهبي إلى المجلات ذات الاختصاص.

يقول سامي شرف إن عبد الناصر كان يردد دائماً أن لبنان هو ”شرفة العالم العربي“. وفي ثلاثة لقاءات مع الملك فيصل بن عبد العزيز، كرر لي ”أن هذه الأمة مثل منزل فيه غرفة الطعام وغرفة الاستقبال، ولبنان هو الشرفة“. وكان يقول: ”يجب أن تحافظوا عليه“. وإذ أهمُّ بطرح اسئلة المقابلة حرصاً على وقت الرجل، يقاطعني بهيبته التاريخية: ”مهلاً. أمامنا وقت كثير. الآن خبرني عن لبنان: لماذا هذه المعارضة الشديدة من صائب بك وريمون اده“. وكنت اجيب أنها معركة حريات مع ”المكتب الثاني“، فكان يقول: ”البلد قبل الحرية. الحريات إذا فُقِدت تُستعاد، أما الدول فإن انشاءها يأخذ جهداً عظيما، فهل يعقل أن نغامر بالبناء؟ أنتم شرفة هذه الأمة“.

عندما كنت اغطي الانتخابات الرئاسية في فرنسا، كنت أُعطى المقابلات من المرشحين وكأنني مندوب صحيفة فرنسية، وكأنما لبنان ”مقاطعة عبر البحار“ خارج فرنسا المتروبوليتانية.

طالما اتهمت الصحافة اللبنانية بأنها شقق مفروشة معروضة للإيجار. وطالما كان ذلك صحيحاً. لكنها ايضاً كانت وحدها تمثل التيارات الفكرية والاجتماعية والوطنية. وإذ كان عبد الناصر يسجن الشيوعيين في مصر، كان مدمناً قراءة مجلة ”الحرية“ والحوار مع محسن ابراهيم. ونكّل المحققون بالكاتب صلاح عيسى لأنه ينشر في ”الحرية“، لكن مكانة محسن ابراهيم في قصر منشية البكري، ظلت على ما هي.

وادعت الأنظمة حول العالم العربي الفكر اليساري ونهج اليسار، لكن اليساريين كانوا مكبلين، ليس مسموحاً لهم أي شيء عدا النشرات السرية والمطابع العتيقة، فيما فتحت أمامهم في بيروت الصحف ودور النشر والقاعات وشوارع التظاهر والمنابر.

ولعبت الصحافة دوراً تنويرياً في الثقافة والفكر والآداب. واتخذت القضية الفلسطينية حجماً غير مسبوق عندما اصبحت الصحافة اللبنانية منصّتها. ومرة قال شفيق الحوت لعبد الناصر: ”في رأينا أن محمد حسنين هيكل يجب أن يتوقف عن الكتابة بهذه الطريقة“، فأجابه الرئيس المصري: ”برأيكم يعني مين؟ جماعة مطعم فيصل؟“.

مطعم فيصل وبعض مقاهي بيروت كانت صحف لبنان الأخرى. وأحياناً الأبعد تأثيراً في السياسات العربية. لم يكن عبد الناصر وحده يراقب ”القوى المؤثرة“ من خلال هذه المرآة العاكسة، بل الغرب والشرق أيضاً، الاميركيون والسوفيات. وقد ارسلت موسكو إلى ”السان جورج“ كيم فيلبي، أعتى جواسيسها في الحرب الباردة، فيما ارسلت واشنطن في الفترة نفسها مايلز كوبلاند، صاحب ”لعبة الأمم“ وهو ”خراط“ مشهور وصاحب مخيلة مسلية في حينه، لكن مؤلفاته استخدمت ”كمراجع“ في حروب الخصومات.

وقد مارس تجارة الاستشهاد بالميتين عدد غير قليل من هذا النوع من الصحافيين العرب. وقيل في باب السخرية إن بعض هؤلاء عاش حياته المهنية في جلباب الراحلين. ومرة كتب احدهم عن ”ذكرياته“ في بغداد، وكيف قابل نوري السعيد رئيس الوزراء في حضور سفير بريطانيا، وماذا قال لهما – الصحافي – ان يفعلا. ومن غير أن يسميه رد الديبلوماسي والمؤرخ العراقي نجدة فتحي صفوة بعد حين، في مقال ذكر فيه انه في تلك الفترة، لم يكن نوري السعيد رئيساً للحكومة، ولم يكن لبريطانيا سفير!

دفعت بيروت غالياً ثمن الأبواب المفتوحة والنوافذ المشرّعة. وتكبّدت باهظاً ثمن التفرد المالي والاقتصادي والاعلامي والثقافي. ففي مرحلة، كان فيها 120 مطبوعة سياسية، مقابل ثلاث صحف في سوريا أو العراق. وما كان في امكان الدولة أن تحمي البلد من الثقوب السوداء التي جاءت مع الحرية. وكما يحدث في كل هذه الحالات، ظهرت صحافة الطحالب إلى جانب صحف المهنة والاجتهاد. واسهم صحافيون لبنانيون من الذين تخرجوا من الصحف الكبرى، في إنشاء الصحافة العربية الجديدة في الخليج وأوروبا. وحاولت محطات تلفزيونية ضخمة وصحف كبيرة أن تجعل مقارها الرئيسية في بيروت بدل لندن، لكنها اصطدمت بعوائق السمسرة والابتزاز، فذهبت إلى دبي، حيث تقوم الآن اكبر مدينة اعلامية في العالم.

لقد عرفت دبي كيف تجمع بين الحرية والقانون، وبين سيادتها وحرية الآخرين. ولا يشعر أحد في دبي بوجود الدولة أو الأمن، لكن أحداً أيضاً لا يشعر لحظة بعدم وجودهما. لا يمكن أن يخطر في بال أحد أن مفرزة بيار حشاش سوف تعبّر، ذات يوم، عن الحرص على الشرف الوطني وكرامة الراية الوطنية، أرز الرب والبلديات ومختار المخاتير.

الصحافة ليست أهم من بلدها. ومثله هي الآن متروكة لحالها. وامامها خياران للبقاء، إما أن تصمد في وجه الابتذال المتفشي،وإما أن تحوّل العريق من تاريخها إلى ”تابلويد“ يضمن الانتشار والاعلان ويفقد العراقة والاحترام. لقد تحقق للاستبداد العربي أقدم وأهم أحلامه، وهو أن تساهم الصحافة اللبنانية في الغاء نفسها، بدل أن يتولى ذلك جلاّدوه. لقد ”ميّع“ السياسيون كل جسم صلب في الحياة الوطنية. نكّسوا العَلَم في القصر الجمهوري، وفي المدينة كلفوا بيار حشاش حمايته والضرب على عوده. علم النشيد صار علم المزيكا.

وإذا كانت الصحافة تعتقد أن ازمتها تثير القلق والحزن والخوف، فلا. إنهم يفرفكون ايديهم طرباً: آخر حراس الضمير سوف يتوقف عن تذكير بقايا الضمير بما عزمت على نسيانه. حتى الذين يريدون التعبير عن مأساة لبنان بما فعله هولاكو، لن يبقى لهم سوى الحيطان يكتبون عليها مقتطفات الرثاء وانغام الحداء.

سوف ننتقل من دولة الصحافة إلى دولة ”البلوغات“ و ”الوبسايت“. من لغة الابداع ومعاني الفكر إلى جريان الكلام. من مكانتنا بين العرب وفي العالم إلى نشرات الجماعات وخشونتها واملائها ولجاجتها وغطرستها في ادعاء التعبير.

الصحافة كانت صانعة الرأي العام والمد الوطني والاتجاهات الفكرية، لأنها كانت منبر الحرية والفكر المدني والحداثة والتقدم ونداءات العقل. لم تكن هامشاً عابراً في حياة لبنان ولا في حياة العرب. ومن دونها، كما من دون لبنان الحضاري والمستقبلي والحر، سوف يكون في الأمة ثقب كبير أسود.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com