المعركة التي لم تبدأ – إرم نيوز‬‎

المعركة التي لم تبدأ

المعركة التي لم تبدأ

أيمن الصفدي

بات ”داعش“ كابوساً يؤرّق العالم أجمع. سيطرته المكانية في العراق وسورية تتراجع. لكنّ عمليّات القتل العبثيّة التي يمارسها خارجهما تتوسّع. ومع كلّ عمليّة تفجيرٍ إرهابيةٍ جديدة، تُجترّ الأسئلة ذاتها عن أسباب بروز هذا التنظيم وتمكّنه. الهروب إلى هذه الأسئلة يعكس، أكثر من أيّ شيءٍ آخر، العجز عن القيام بما هو لازمٌ لمعالجة هذه الآفة. النقص ليس في فهم الأسباب. هو في منقوصيّة الجهود المبذولة لوأد الإرهاب.

تمكّنُ ”داعش“ في البؤر الإقليميّة الساخنة مرتبطٌ بالفشل السياسيّ الثقافيّ الاقتصاديّ للدول التي انتهت مجتمعاتٍ متفككةٍ هشّة الهويّة. نما ”داعش“ في الفوضى التي حتمتها سياسات أنظمةٍ قمعيّة، وعمّقتها تدخّلات سيئةٌ لدولٍ في مسارات الأحداث على مدى سنوات الانهيار الحضاريّ العربيّ.

لكنّ تغوّل الضلاليّة الـ“داعشية“ في عقول جيلٍ جديدٍ خارج مناطق الصراع المباشرة قضيّة أخرى. جزءٌ من أسباب ذلك مرتبطٌ بتجذّر مشاعر القهر والتهميش. وجزءٌ كبيرٌ منه يمثّل نتيجةً مباشرةً لانتشار الفكر التضليليّ الذي ما يزال ينتشر من دون ضوابط أو جهودٍ حقيقيةٍ لتفنيده وتعريته.

الساحة الفكريّة للتصدّي للفكر المتطرّف ما تزال الأضعف في جبهات المواجهة التي يتطلّب تحقيق الانتصار فيها إدارتها بشكل متوازٍ ومنسّق. الجبهة العسكريّة في مناطق السيطرة المكانيّة الرئيسة لـ“داعش“ في العراق وسورية تشهد اهتماماً أفضل مما لقيته في السنوات الماضية. وكذلك ثمّة تركيزٌ مكثفٌ على الجانب الأمنيّ من المعركة حيث التنسيق الاستخباراتيّ والمعلوماتيّ بين الدول يتحسّن. غير أنّ قليلاً يُبذل لضمان كسب المعركة الفكريّة الأهم.

المشكلة هنا أنّ المواجهة تقتصر على محاصرة وسائل نشر الـ“بروباغانده“ الـ“داعشية“ حيث أمكن فقط. في وسائل الإعلام المجتمعية مثل ”تويتر“ و“فيسبوك“، هناك جهودٌ أكبر لإغلاق الحسابات التي تروّج للإرهاب. ولا مساحة للدعاية الإرهابيّة المباشرة في وسائل الإعلام التقليديّة.

بيد أنّ هذه المنهجيّة لم ولن تعالج الأزمة. حتميّة الفشل مردّها سببان. السبب الأّول هو أنّ التضييق على وسائل نشر الفكر الضلاليّ لا يحول دون انتشاره. فالتكنولوجيا الحديثة عصيةٌ على الضبط. والنجاح يتطلّب إقناع الناس بعبثيّة الطرح المتشدّد عبر تقديم خطابٍ واضحٍ جريءٍ يفنّده بشكلٍ مدروسٍ ومؤسّساتيّ. قليلٌ وغير فاعلٍ هو الجهد الممنهج لتحقيق ذلك.

السبب الثاني هو التغاضي شبه الكامل عن الفكر المتطرّف الذي لا يتبنّى طروحات المجموعات الإرهابيّة مباشرةً، لكنّه يلتقي مع كثير منها، ويهيّئ الأرضيّة لتجذّرها. هذا الفكر موجودٌ في المدارس والجامعات وفي المنابر العامّة. وثمّة قنواتٌ تلفزيونيةٌ ومحطّات إذاعيّة وألوف الحسابات والصفحات في وسائل التواصل الاجتماعيّ وُجدت حصراً للترويج له.

الضلاليّة الإرهابيّة هي، أساساً، فكرٌ إقصائيٌّ إلغائيٌّ جاهل. وبالتالي فإنّ كلّ الطروحات الإقصائيّة التجهيليّة التي يعجّ بها الفضاء العامّ العربيّ تمثّل ترويجاً غير مباشرٍ للظلاميّة المتطرّفة. من يروّج لرفض الآخر ولإقصائه وإلغائه أو للتقليل من مواطنيّته على أساس العرق أو الدين أو التوجّه الثقافيّ والسياسي يساعد الإرهابيّين على التمدّد. وللأسف، فإنّ هذا الخطاب موجود ويتكاثر.

إدانة الظلاميّة الـ“داعشية“ و“القاعديّة“ المباشرة مسألةٌ سهلةٌ لا تتوانى تياراتٌ سياسيةٌ وثقافيّةٌ وحكوماتٌ عن إعلانها بملء الفم. لكن لا إنجاز يسجّل في ذلك. فإنّ أحداً لن يجرؤ على الدفاع عن ”داعش“ ومَن مثله علناً، ولا كلفة على من يقول بلاإنسانيتهم ولادينيتهم أيضاً. المعركة التي لم تُخض بعد هي تلك التي تواجه ما هو قبل الظلاميّة الـ“داعشية“ بدرجةٍ بسيطةٍ من الفكر الإلغائيّ الإقصائيّ. هذه معركةٌ تتطلّب استعداداً فكريّاً وسياسيّاً، وبلا شك، ستحمل كلفةً سياسيّةً لأنّها ستتحدّى مفاهيم مغلوطةً واقتناعاتٍ رسخت في المجتمعات العربيّة.

في غياب هذه المعركة نصرٌ للتطرّف. ذاك أنّ هزيمة ”داعش“ وغيره من المجموعات الإرهابيّة تحتاج وأد كلّ الأمراض الفكريّة التي تغذّي ضلالهم. فالمواجهات الفكريّة تُكسب بدحض كلّ منطلقات الضدّ العبثيّ، وليس بالتصدّي لبعضٍ منها أو لمن يتبنّى تشوّهاتها الأقسى فقط.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com