”الرقة البلجيكية“ وبنك الأهداف الداعشية!

”الرقة البلجيكية“ وبنك الأهداف الداعشية!

راجح الخوري

لا يمكن التحضير لتنفيذ ثلاث عمليات إرهابية في بروكسل خلال أربعة أيام، خاصة أنها الأيام التي أعقبت القبض على صلاح عبد السلام المطلوب رقم واحد للأجهزة الأمنية الأوروبية، وهو الناجي الوحيد من أعضاء المجموعة الإرهابية التي نفذت الهجمات في باريس وسان دوني قبل أربعة أشهر.

ليس هذا ممكنًا لمن نفذوا الهجمات القاتلة يوم الثلاثاء الماضي في مطار بروكسل ومحطة القطار. يفترض أن يكونوا في حال من الحذر بعد القبض على صلاح، وهذا يعني أن هذه العمليات كانت محّضرة ومعدة سلفًا في انتظار التنفيذ، كما يعني أن الإرهابيين يملكون بنًكا من الأهداف وخطًطا جاهزة لتنفيذها ليس في بروكسل وحدها بل في أي عاصمة أوروبية.

في هذا السياق يكفي أن يقرأ المرء التحقيق الذي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية عن كيفية تحّول بلجيكا عاصمة للإرهابيين في أوروبا، لكي يطرح السؤال: هل أن حي مولنبيك هو العاصمة الثانية لـ«داعش» بعد الرقة في سوريا؟ والسؤال الأكثر إحراًجا: هل يكون الآتي إرهابيًا أعظم مما عرفناه حتى الآن، خصوًصا عندما نقرأ إعلان المدعي العام البلجيكي عن العثور على مواد كيميائية في المداهمات التي أعقبت تفجيرات بروكسل؟

هذه أسئلة صعبة ومحرجة وتثير القلق طبعًا، ولكن إذا كانت «الغارديان» تملك كل هذه المعلومات الخطيرة التي نشرتها عن حي مولنبيك في ضاحية بروكسل، فأين كانت الشرطة البلجيكية من كل هذا، وإذا كانت ضبطت قبل عشرين عاًما وتحديدًا في العام 1996 مدونات تؤيد «القاعدة» وأسامة بن لادن في ذلك الحي، الذي خرج منه اثنان في التاسع من سبتمبر (أيلول) العام 2001 ونفذا جريمة اغتيال أحمد شاه مسعود الذي كان من أبرز معارضي حركة طالبان، ثم إذا كانت هذه الشرطة تعلم جيدًا أن هناك خمسمائة من شباب حي مولنبيك ذهبوا إلى سوريا والعراق والتحقوا بـ«داعش» وأن مائة وثلاثين منهم عادوا إلى بلجيكا، فلماذا لم تضع تلك المنطقة قيد المراقبة الدقيقة؟

ليس خافيًا طبعًا على الشرطة البلجيكية أن عبد الحميد أباعود وصلاح عبد السلام ورفاقه الإرهابيين الذين نفذوا الاعتداءات الأخيرة في باريس خرجوا من مولنبيك، وأن أيوب الخزاني منفذ الهجوم على القطار السريع الذي يربط بين أمستردام وبروكسل خرج أيًضا من مولنبيك، وكذلك مهدي نموش منفذ الهجوم على المتحف اليهودي، وأن اثنين من منفذي تفجيرات مدريد العام 2004 خرجا من الحي إياه.

على خلفية كل هذا، ولأنه سبق للسلطات البلجيكية أن أعلنت عن أنها فككت عشرات الخلايا التي كانت تخطط لتنفيذ هجمات في الدول الأوروبية انطلاقًا من الحي عينه، تتراكم الآن عشرات الأسئلة المحيّرة، ليس لأن الإرهابيين الذين نفذوا العمليات الأخيرة خرجوا من مولنبيك فحسب، بل لأن الشرطة البلجيكية كانت قد ألقت القبض على صلاح عبد السلام هناك! كيف استطاع عبد السلام مثلاً رغم أنه يحمل الجواز البلجيكي أن يتنقل من باريس إلى ذلك الحي المشبوه والمراقب على ما يفترض، وكيف أقام فيه مدة 14 يوًما لدى عائلة تعرف أنه متورط بتفجيرات العاصمة الفرنسية، والأدهى من ذلك كما كشفت التحقيقات، كيف كان يتنقل كثيًرا خارج الحي وقد قيل إنه ذهب إلى هولندا والنمسا وكذلك إلى هنغاريا واليونان، رغم أن صوره عممت ليس في بروكسل وحدها بل في كل الدول الأوروبية؟

تقول الشرطة الفرنسية إن عبد الحميد أباعود الذي شارك في هجمات باريس كان قد أخبر أقارب له قبل أن يقتل، أنه دخل إلى فرنسا مع تسعين من رفاقه الإرهابيين وهم سوريون وعراقيون وفرنسيون وألمان وبريطانيون من دون وثائق رسمية، وليس غريبًا أن تثير معلومات من هذا النوع الذعر في الدول الأوروبية كلها، ولهذا يسارع أحد كبار المسؤولين الفرنسيين إلى القول إن العام 2015 كان صعبًا، لكن عام 2016 قد يكون فظيعًا، وإنه ليس من المنطق على الإطلاق توجيه أي انتقادات إلى الشرطة البلجيكية، ربما لأن الأجهزة الأمنية في معظم الدول الأوروبية عاجزة عن التعامل مع هذه الأعداد الكبيرة من الإرهابيين الذين يحملون جنسيات أوروبية! المسؤول الأمني الفرنسي علّق على تفجيرات بروكسل بطريقة تعّمق الذعر في طول أوروبا وعرضها: «إن الأمر الذي يثير قلقًا كبيًرا هو أن اعتداءات بروكسل تثبت أن لديهم انتحاريين يتحركون على الفور، ولا يمكننا التصدي لذلك، لا يمكن لأحد التصدي لذلك، حتى إن الدوريات العسكرية غير كافية، وستكون ضربة حظ أن نشاهد رجلاً يحمل حقيبة تثير الشبهات فنفتشه ونكشف المخطط.

لكن في مطار في ساعة الذروة سيبدو الأمر مستحيلاً، وإذا قررنا أن نفتش الأمتعة عند مداخل المطار مثلاً ستتشكل طوابير انتظار في الخارج تشّكل هدفًا مثاليًا للإرهابيين، بما يعني أن النتائج ستكون أسوأ»! وإذا كان حي مولنبيك يشكل «عاصمة داعش الأوروبية» فإن الأنباء التي تتحدث عن عودة مئات الإرهابيين من سوريا والعراق الذين يحملون جنسيات أوروبية إلى بلادهم، تضاعف منسوب القلق والمخاطر في كل الدول الأوروبية التي قد تكون عرضة لمزيد من التهديدات في ظل ما يجري في ليبيا من توسع لنفوذ «داعش»، وهو ما يدفع إلى طرح السؤال مباشرة: ما الحل في مواجهة وحش الإرهاب الذي توّسع وازدهر في ظل التعامي الدولي عن المذابح في سوريا والعراق، وخرج مهددًا أوروبا ودول العالم؟

لعل من الضروري أن نتذكر أن هناك 26 بلدًا في أربع قارات تعّرضت لهجمات إرهابية منذ بداية هذه السنة في أفريقيا والشرق الأوسط والأميركتين؟ جاء الروس إلى سوريا لضرب «داعش»، لكنهم قصفوا المعارضة المعتدلة التي تقاتل «داعش»، ويقود الأميركيون تحالفًا من 66 دولة لضرب «داعش» منذ عامين تقريبًا من دون أي نتائج، ويقول الإيرانيون والنظام السوري إنهم يقاتلون «داعش»، لكنهم يوفرون له ظروف الازدهار والتوّسع عبر المذابح التي ينفذونها ضد المواطنين في سوريا والعراق.

واشنطن أصدرت بيانًا غريبًا يثير مزيدًا من الذعر «أن مجموعات إرهابية لا تزال تخطط لهجمات في الأمد الأوسط عبر أوروبا مستهدفة مناسبات رياضية ومواقع سياحية ومطاعم ووسائل النقل.. إنه تحذير يبقى ساريًا حتى 20 يونيو (حزيران) إلى ما بعد كأس أمم أوروبا لعام 2016»! هكذا فقط: عالم شبه مشلول في مواجهة وحش إرهابي يتغول!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com