ليتوقف هذا النواح

ليتوقف هذا النواح

حسام عيتاني

تقول أزمة الصحافة اللبنانية اليوم، بين أشياء ثانية، إن عودة لبنان الى الوراء باتت مستحيلة وإن مأزقه السياسي الخانق بات أعمق من أن يجد حلولاً موقتة في ظل الواقع العربي القائم والصراعات والجبهات المفتوحة على مصاريعها.

صحافة بيروت ليست جزيرة معزولة عن محيطها وليست، بالقدر ذاته، ضحية بريئة من ضحايا إخفاقات وحروب خارجية، لقد انغمست الصحافة اللبنانية بكل أشكالها في الاقتتال الأهلي وفي النزاعات الإقليمية الى العنق.

ووصلت بها الرعونة في الأعوام القليلة الماضية حد التحريض المذهبي والطائفي والدعوة الصريحة لحرب أهلية جديدة وسلسلة طويلة من الآثام الملازمة لكل من ينخرط في سياسة هذه البلاد وفسادها وحقول القتل المترامية فيها وحولها.

وإذا كانت الصحافة لا تهتم إلا بالتعرض لخصوم مموليها ولا هدف لها غير تملّق هؤلاء الممولين والتذلل لهم وتغيير سياستها يومياً لتتلاءم مع ضرورات المموّل حتى لو كان مجرم حرب وسارقاً للمال العام وتفوح رائحة فساده في البلاد بأسرها، فللقارئ الحق في التساؤل عن معنى وجود هذه الصحيفة أو تلك، باستثناء تأمينها الجرعة الصباحية من الكراهية والانغلاق والحقد، فيما تتولى توفير الجزء المسائي محطات تلفزيونية يديرها من لا يقل تذللاً وكراهية عن «زملائه» في الصحافة المطبوعة.

أي خدمة عامة تؤمّنها الصحافة؟ أي قيم تروج لها؟ أهي المقاومة والممانعة ورؤية سطحية للقضية الفلسطينية جرى استهلاكها وغسلها وكيّها ثم بيعها وشراؤها وعرضها في أسواق المزايدة والمناقصة على مدى عقود؟ أي مستقبل تدعو إليه؟ مستقبل الحروب الأهلية والمذبحة الطائفية التي لا نهاية لها؟

أي حقائق تنقل إلى جمهورها فيما لا يسع كتابها وصحافيوها مجرد الاستفهام عن مدى صواب اختيار الخندق السياسي الذي ارتمت صحيفتهم عميقاً فيه؟ ما هي البدائل التي اقترحتها هذه الصحف على نفسها، في ظل أزمة الإعلام على مستوى الكوكب بأسره، غير الانقلاب الى مواقع شبه إباحية تتخصص في نشر الإشاعات والترهات؟

لا مفر من القول، إن رؤية «مطابخ» الصحف العربية واللبنانية الى العالم، رؤية قديمة ولم تعد تصلح لفهم وتفسير ما يجري حتى حول مباني الجرائد وفي الشوارع التي تطل عليها.

وإن الصحافة التي تأسست كخدمة عامة في المقام الأول ثم تطورت إلى صناعة الرأي العام، لا تسهم في البلاد العربية وفي لبنان في هذه المهمة وأن دمارها وانحطاطها ليسا إلا انعكاسا للدمار والانحطاط المنتشرين في طول المجتمعات والدول العربية وعرضها.

لا أسف ولا حزن ولا حنين إلى رائحة الورق الحامضة وملمسه مع قهوة الصباح، فهذه ليست أكثر من ”نوستالجيا“ يروج لها من فقد صلته بالواقع، بعدما أسرف في استغلاله والاستفادة من تناقضاته. الحزن محصور بمصائر عائلات وموظفين وعمال سيذوقون شظف العيش بعدما تخلى عنهم أرباب المؤسسات التي خدموها طوال عقود.

وإذا أردنا تصوير المسألة تصويراً داروينياً مبسطاً لقلنا، إن الصحف التي تُقفل أبوابها وتلك التي تنتظر إنما تعلن أن المجتمع والطبقة والجهة السياسية التي زعمت تمثيلها والنطق باسمها، لم تعد – ببساطة – في حاجة إليها، وإنها امتلكت منابر وأجهزة دعوية أيديولوجية تواصل ضخ ما تراه ضرورياً من حملات التعبئة والحشد وتجييش الجمهور أو في تكييف جمهورها وفق ضرورات المرحلة.

هكذا يعود الإعلام في لبنان ليؤدي الوظيفة المناطة به في بلدان الديكتاتوريات والطغاة، لكنه هنا على نطاق أضيق محصور بالطائفة والجماعة.

وآخر من يحق لهم النواح على هذا الواقع، هم من شقوا الطريق إليه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com