دعكم من المغامرات!

دعكم من المغامرات!

سمير عطا الله

لا تكف المفاجآت عن الظهور في روسيا فلاديمير بوتين. إليكم اثنتان منها، واحدة مقتضبة جدًا على لسان الناطقة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، والثانية مقال مطوّل بقلم وزيرها سيرغي لافروف في مجلة «غلوبال». رسالتان في منتهى الوضوح. الحسناء الممشوقة القامة ماريا تقول الآتي: «إن أزمة المهاجرين قد تسببت بها محاولات غير مسؤولة لنشر الديمقراطية الغربية في الشرق الأوسط». أما لافروف، فخلاصة مقالته أن أوروبا لا يمكن أن تعرف الاستقرار من دون التوافق مع روسيا. ويشرح أن هذه هي الحال منذ قرنين على الأقل، متذكرًا الإمبراطورة كاترين ومستشارها وجملته الشهيرة «لا ينطلق مدفع في أوروبا ما لم توافق عليه روسيا». السيدة زاخاروفا موظفة بيروقراطية عند لافروف، والسيد لافروف موظف رفيع الجانب عند رئيسه فلاديمير بوتين. وأن يلزم كل منهما حكومته بموقف مدوّن في مثل هذه الأهمية وهذا الوضوح، فمن أجل أن يوضحوا معالم الصراع للجميع. أي الولايات المتحدة وأوروبا ونحن. وكان رئيس وزراء روسيا السيد مدفيديف قد أعلن شيئا من هذا القبيل في مؤتمر ميونيخ للأمن الشهر الماضي، عندما تحدث عن عودة الحرب الباردة.

ذروة الحرب الباردة أن تحمِّل السيدة زاخاروفا ما سمّته «الديمقراطية الغربية الطابع» مسؤولية ما حدث في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية بدءًا بتونس ولا انتهاءً بسوريا، التي يبدو أن صراعها البارد والحار لا يزال طويلاً. على أن الوضع أفضل بكثير من الغموض. وكفانا جميعًا أن نردد كلما خطا بوتين خطوة في البحر أو الجو أو البر، القول: إنها رحلة أخرى في غموضه وتصرفاته التي لا يمكن التنبؤ بها.

ها هي السيدة زاخاروفا، الوجه الحسن في الخارجية الروسية، تُعلنها مرة واحدة: احذروا الديمقراطيات الغربية بعد الآن، وإلاً سوف تغرق أوروبا باللاجئين، ويحدث نتيجة لذلك ما يحدث الآن. أي استيقاظ الأحزاب الفاشية، واليمين المتطرف، ونزعات التفكك في المتحد الأوروبي، الذي كان يُعتقد أنه أهم تجربة وحدوية في تاريخ العالم بعد الولايات المتحدة.

النظام الجديد، كما يوحي لنا السيد لافروف والسيدة الناطقة باسمه، لن يكون على صورة ومثال الولايات المتحدة. وعلى واشنطن أن تكف عن بذل «المحاولات غير المسؤولة» في نشر الديمقراطية حول العالم. فهو عالم غير مستعد لمثل هذه المغامرات النظرية. بل إن علينا جميعًا الأخذ من النموذج البوتيني الذي يضبط روسيا الاتحادية من أقصاها إلى أقصاها، وأما خارجها فيدعم بلا أي تردد الأنظمة المشابهة، أو الأكثر تماديا. لا وقت الآن للصبيانيات الحالمة كالحرية والديمقراطية والانتخابات الصحيحة. ولعل مشتركي «فيسبوك» من رجال المعارضة السورية في جنيف يتمعّنون في قراءة رسالة السيدة زاخاروفا قبل أن يغرقوا في أحلام لا تريدها لنا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com