اغتصب وتزوّج «ببلاش»

اغتصب وتزوّج «ببلاش»

موسى برهومة

مرّ، كغيره من المناسبات، يوم المرأة العالمي. جرى ترديد الكلام المستعاد نفسه، وارتفع نحيب، وعلت شتائم وانتقادات، ها هنا وهناك. وهدرت أصوات تطالب بإنصاف النساء، وخُصّصت برامج إذاعية وتلفازية، واحتفى الإعلام بالمناسبة التي تبخّرت مياهها بعد أن غابت شمس الثامن من آذار (مارس).

وعلى رغم أنّ التقارير الدورية المتّصلة بواقع النساء في العالم العربي، تبدو كسيفة الكلمات وهي تتحدث عن الانتهاكات المتواصلة، ليس بحق النساء الراشدات وحسب، بل بحق اللواتي يُجبرن عنوة على أن يكنّ نساءً وهنّ ما زلن طفلات قاصرات جاهلات.

ففي الأردن، حتى لا يقع الكلام كله في باب العموميات، لا يزال قانون العقوبات يحتفي بالمادة التي تحمل الرقم 308 وتنصّ على وقف الملاحقة القضائيّة للمعتدي في جرائم الاغتصاب وهتك العرض للفتاة القاصر، في حال عقد زواج صحيح بين المعتدي والضحية، ما لم يكن المعتدي مكرراً للفعل، ويتم تنفيذ العقوبة على المعتدي قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة، وخمس سنوات على الجناية، إذا انتهى الزواج بطلاق المرأة المعتدى عليها من دون سبب مشروع!

ولا تعترف هذه المادة المشؤومة في قانون عقوبات بلدٍ، يعتبر نفسه واقفاً على ضفاف الحداثة والتمدّن، بأنّ تزويج المغتصبة لمغتصبها جريمة إضافية بحقها، على رغم أنّ السلطات والأعراف الاجتماعية المهترئة والتقاليد البالية تعتبر هذا «الحل الانتحاري» دفعاً لـ «العار» الاجتماعي، من أجل حماية «شرف» الضحية، والحفاظ على سمعة عائلتها!

وتتوارد الأخبار، كلّ حين، عن جرائم مهولة تُرتكب تحت غطاء المادة 308، فقد أفادت الأنباء، قبل سنوات، بإعفاء مغتصب طفلة في مدينة الزرقاء (تبعد 45 كم شرق عمّان) ذات أربع عشرة سنة من عقوبة الاغتصاب، بعد أن عقد قرانه عليها مع إتمامها عامها الخامس عشر، وأجبرت الطفلة على السكن في منزل مغتصبها، بمقتضى القانون، على رغم تعرّضها للخطف من الجاني بمساعدة ثلاثة شركاء آخرين تمّت تبرئتهم من عقوبة الخطف أيضاً!

ومنذ إقرارها والمادة تثير الاحتجاجات والزوابع الموسمية من لدن بعض ناشطي وناشطات قضايا المرأة وحقوق الإنسان، لكنّ المشرّع يغمض عينيه ويقفل أذنيه عن الإصغاء إلى هذه المطالبات التي جعلت فتيات محتجات يتظاهرن في وسط العاصمة عمّان رافعات شعارات ويافطات كتب على بعضها «اغتصبْ وتزوّج ببلاش (قانون 308)»، وأخرى كتب عليها «قانون تعدّد الاغتصاب» و «حياتي أهم من شرف العيلة».

بيْد أن ست سنوات مضت على إقرار المادة، ولا يزال العمل نافداً بها، ما يعني أحدَ أمرين، إما أنّ قوى الاحتجاج والتغيير ومؤسسات المجتمع المدني في الأردن عاجزة عن إقناع المشرّع بوجاهة رأيها وحيثياته وتداعياته على الصورة الإنسانية للبشر الذين تطاولهم شظايا هذه المادة، أو أنّ المشرّع، وهو هنا مجلس الأمة (بشقّيه النواب والأعيان)، يعرف مصلحة المجتمع أكثر من نفسه، ويحرص على أعراض الفتيات الطفلات، أكثر من أنفسهن، ويراعي مكابدات الأسر التي تتعرض فتيات فيها لهذه الجريمة، لذلك يلجأ إلى «ضبضبة» الموضوع، و «يا دار ما دخلك شر»!

على أنّ ما يتعين إدراكه، أنّ النواب الذين يشكلون أكثرية مجلس الأمة تم انتخابهم وفق قانون غير توافقي، ما جعل غالبية الأردنيين يقاطعونه، بالتالي فإنّ أكثر هؤلاء النواب أتوا من قواعد عشائرية، وأخرى تقليدية محافظة، ما يفسّر الممانعة التشريعية لإلغاء مثل هذه المادة. وقد حدث أن تدخّل نواب ووجهاء وأعيان من أجل ما يزعمون أنّه يحمي المجتمع، على رغم أنّ الوقائع التالية تنبئ بانفجارات أسرية وتفسّخ نفسي واجتماعي لا حدود له. فماذا ستُهدي المستقبَلَ طفلة (زوجة) مغتصبة، وأي مظلة قانونية فسيحة تحمي المغتصبين، وترخي ظلّها الوارف على جرائمهم المقزّزة؟!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com