عنوان العصر!

عنوان العصر!

سمير عطا الله

لا أعرف في أي عصر فكري نحن الآن. أعرف أن العالم العربي كان في الخمسينات والستينات مأخوذًا بالنقاش الدائر حول جان بول سارتر في فرنسا، وبرتراند راسل في بريطانيا. واعتبرت القاهرة عام 1968 قبول سارتر زيارتها حدثًا تاريخيًا لما يمكن أن يكون له من أثر في دعم القضية الفلسطينية. وفي بيروت كان الحدث المناظرة الكبرى بين طه حسين والأديب رئيف خوري. والشعر كان نزار قباني. وضيف القاهرة كان نهرو. وصهرها كان نكروما. و«ثرثارها» كان نجيب محفوظ. وبرلمان الكويت كان موالوه المستقلّين، ومعارضوه القوميين العرب، ولا فريق ثالثًا. والكتب الأكثر مبيعًا كانت من نوع «اللامنتمي» لكولن ولسون.

لم يكن هناك تيار فكري في العالم من دون صدى في العالم العربي. طبيب الأسنان سامي الجندي كان يترجم آندريه مالرو. وكان يترجم دوستويفسكي. وعمر أبو ريشة كان سفير سوريا لدى الأرجنتين، وديغول كان يقول لسفير لبنان، بعضكم يتحدث الفرنسية أفضل منا. وبيروت كانت تحضر أمسية لشولوخوف، حائز نوبل للآداب. ومصر كانت تصدر مجلة «الطليعة» و«أبولو» وسهيل إدريس مجلة «الآداب»، تقليدًا «للأزمنة الحديثة» التي يصدرها سارتر في فرنسا.

كان العالم العربي منخرطًا في تيارات الحداثة والتطور والعلوم. وطلاب جامعة هايكازيان في بيروت أطلقوا صاروخًا إلى قبرص. وعرف العرب نقاشًا عميقًا بين حركة الشعر الحديث وأنصار الشعر التقليدي. وترجم إلى العربية تي إس إيليوت، وعزرا باوند، وهمنغواي. واهتمت الصحافة العربية بالأحداث الدولية من مواقعها. واستضافت الجامعات كبار المحاضرين من أنحاء العالم. وعقدت الصحف اتفاقيات نشر مع كبار الدور العالمية. وأصبحت القاهرة عاصمة أفريقيا ومنبر العالم الثالث. وبحثت الصين وروسيا وأوروبا عن مواقع إعلامية في بيروت تنطلق منها إلى العالم العربي.

صار العالم العربي جزءًا من حركة العالم الثقافية. أصبح الصحافي المثقف شارل حلو رئيسًا في لبنان. تولى ثلاثة أطباء الحكم في سوريا. حُمِلَ السودان إلى الشهرة الأدبية على جناحي الطيب صالح. من «سوق الحشيش» في بنغازي حلّق الحداثي صادق النيهوم. في كل مكان كان هناك فكر وأنوار ونوافذ. الجدل الآن حول من هو مؤلف «إدارة التوحش».

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com