دواء لا بديل عنه!

دواء لا بديل عنه!

سليمان جودة

حين وجدت أنى فى بولندا، سألت نفسى عما إذا كان هناك شىء مشترك بيننا وبينهم، وعما إذا كانت عندهم تجربة مفيدة نأخذها عنهم؟!

وكانت الإجابة بـ«نعم».. أما لماذا؟! فلأن بولندا قد خاضت تجربة التحول من الاقتصاد الاشتراكى الشيوعى إلى الاقتصاد الرأسمالى القوى، ونجحت فيه إلى حد بعيد، وكان ذلك فى فترة من الزمن لا تتجاوز ربع القرن!

إن بولندا، لمن لا يعرف، كانت إلى عام 1991 واحدة من دول المعسكر الشيوعى الواقعة غرب الاتحاد السوفيتى، وكانت تدور فى فلك الاتحاد حتى انهياره فى ذلك العام، وكان اقتصادها مثل اقتصادنا إلى عام 1970، اقتصاداً يعتمد على القطاع العام، وعلى أن الدولة هى صاحبة الشأن فى كل شىء، وأنها تتدخل فى كل أمر، وأنها هى التى تمنح، وهى التى تمنع وأنها هى التى تملك، وتدير وتنظم!

وعندما تداعت أركان الاتحاد السوفيتى وقفت بولندا حائرة.. إلى أين تتجه؟!.. وفى أى طريق تسير؟! ولأن لها حدوداً مباشرة مع ألمانيا، من جهة الغرب، فإن الألمان لم يتركوها وحدها، لأنهم رأوا فيها عمقاً ممتداً لهم، ولأنهم أدركوا أن وجود دولة فاشلة على حدودهم مسألة غير محتملة لهم، فكان أن مدوا أيديهم إليها، وبكل قوة، وكان أن وضع البولنديون الدخول عضواً فى الاتحاد الأوروبى هدفاً أمام أعينهم، وهو ما تحقق عام 2004.

ولم يكن من الممكن أن تصبح بولندا عضواً فى الاتحاد الأوروبى، بينما القطاع العام كما هو، وكان لابد من عملية تحول متدرجة، تنقل ملكية هذا القطاع إلى القطاع الخاص، وتخفف العبء الذى يمثله على كاهل الدولة، أو بالأدق، تزيح هذا العبء تماماً!

وعندما نعرف أن الوزارة التى أنشأوها لتقود هذه العملية من التحول سوف يتم إلغاؤها فى نهاية هذا العام، لأنها أدت الغرض الذى قامت من أجله، سندرك على الفور حجم النجاح الذى أحاط بالعملية كلها، ثم سندرك كيف أنهم وضعوا خطة واضحة ذات أهداف معلنة، وذهبوا إليها من بعد ذلك من أقصر طريق!

سألت هناك: ما هى أهم المشاكل التى واجهتكم وأنتم تتحولون هكذا، من اقتصاد موجه، تقوم فيه الدولة بكل شىء، إلى اقتصاد حر مفتوح، تنظم فيه الدولة وتراقب، ولا تتملك؟!

وكان الجواب أن أهم المشاكل أن أعداداً كبيرة من البولنديين قد فقدوا عملهم، ولكن الدولة واجهت ذلك وعالجته لأنها كانت تعرف مقدما أنه لا حل آخر أمامها، وكانت وهى تعرف ذلك، وتراه، تشرك معها كل بولندى فيما تراه، وفيما تعرفه، وكانت تخاطب أبناءها دائماً بأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى إذا كان يمثل هدفاً لها كدولة، ولأبنائها جميعاً، كمواطنين، فإنه لن يتحقق مع وجود القطاع العام بصورته القديمة، أيام الاتحاد السوفيتى، وأن التحول منه وعنه، إذا كان دواء مراً، فلا دواء آخر فى الأسواق العالمية يمكن تعاطيه، كما أنه ليس هناك دواء حلو فى الإجمال.. إنه مر دائماً، والمريض الراغب فى العبور فوق مرضه لابد أن يحتمل دواءه، وأن يقبله، لأنه لا حل آخر سوف يكون أمامه!

الدرس الأول، إذن، أن بولندا التى تشابهت معنا فى طبيعة اقتصادها قد حددت الطريق بدقة، ثم كاشفت الناس بمعالمه، ليكونوا عوناً لها، لا عبئاً عليها، وانطلقت تقطعه وفق أصول وقواعد، فأنجزته.. ولكن فى القصة دروساً أخرى كثيرة سوف تأتى!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة