السياسة التي غابت!

السياسة التي غابت!

سليمان جودة

فتحت التليفزيون فى الفندق على القناة الأولى التونسية، فكانت تذيع حواراً يديره ثلاثة مذيعين مع عبدالفتاح مورو، نائب رئيس حركة النهضة الإسلامية هناك!

كان «مورو» يقدم أفكار الحركة للمشاهدين، وكان يعرف وهو يتكلم أن هناك من يحاول الربط بين الإخوان فى مصر وبين «النهضة»، باعتبارها تمثل إخوان تونس، وكان يريد أن يقول طول الحوار، بشكل غير مباشر، إن هناك فرقاً، وإن هذا الفارق هو بالضبط الذى جعل إخوان النهضة، إذا صح التعبير، حيث هم الآن، شريكاً فى الحكم مع حزب حركة «نداء تونس»، الذى يرأسه الرئيس التونسى الباجى قائد السبسى.. بينما الإخوان حيث هم!

كان الحوار، الذى تابعته إلى آخره، مفيداً للغاية لى، ولأى مشاهد بالضرورة، ولم يكن أى من المذيعين الثلاثة يحاول أن يتعالم على نائب رئيس النهضة، ولا كان الرجل يحاول أن يراوغ، فيجيب بما ليس فى قلبه، كما كان الإخوان عندنا، ولايزالون!

كان يجاهد فى أن يشرح كيف أن مؤتمر الحركة العام العاشر، فى إبريل المقبل، سوف يكون فرصة كبرى، تتأمل خلالها «النهضة» مسيرة عامين مضيا، وتستخلص منهما الدروس الواجبة!

أحسست وأنا أتابع الحوار إلى نهايته أنى أمام حوار حقيقى، بين طرف يريد أن يسأل، ويمثل المشاهدين، ويرغب فى أن يفيدهم حقاً، وبين طرف آخر يجيب بأمانة، فلا يلف، ولا يدور، ولم أجد نفسى أمام «خناقة» من النوع الذى تجده منصوباً على فضائياتنا فى كل ليلة، والذى يخرج منه مشاهدونا وقد تشوشت أفكارهم تماماً!

وفى ليلة تالية، تابعت حواراً آخر مع الموسيقار إلياس الرحبانى.. كانت الحلقة معه معادة، ورغم ذلك، فإننى أظن أن الذى رآها عند إذاعتها للمرة الأولى سوف يجد نفسه مشدوداً إليها، للمرة الثانية، والثالثة، بل والعاشرة!

كان حواراً ممتعاً، تتعرف منه على علاقة الرحبانى بفيروز، وصباح، وغيرهما من أهل الغناء والموسيقى، وتعرف منه كيف شب صاحبه على الفن الراقى فى بيته، فكان ما كان من مسيرته ومسيرة الرحبانية الحافلة بالفن والذوق الرفيع!

فى الوقت نفسه، كانت القاهرة مشغولة عن آخرها بإسقاط عضوية النائب توفيق عكاشة، وكان القرار مدهشاً، وصادماً لكل الذين تابعوه من حولى فى تونس، سواء كانوا مصريين، أو توانسة!

إننى لا أوافق على لقاء النائب مع سفير إسرائيل، ولو سألنى لنصحته بألا يفعل، ولو صمم على أن يفعل لقلت له إن على السفير أن يسمع منك كيت.. وكيت تحديداً.. وحين تتأمل القصة على بعضها، الآن، تكتشف أن اللقاء كان خطوة متهورة من جانب عكاشة، وأن البرلمان بدلاً من أن يعالج الخطوة بحكمة، وبشىء من السياسة.. شىء من السياسة.. لا السياسة كلها، فإنه بقرار إسقاط العضوية بدا أشد تهوراً من النائب ذاته، ونسى الدكتور عبدالعال، رئيس المجلس، أن المنصة الجالس عليها هى التى وافقت على معاهدة السلام عام 1979.

حين تكون خارج البلاد وتتابع ما يجرى فيها، يترسخ لديك إحساس بأن البلد بلا عقل، ولو حضر العقل فيه لغاب هذا الصخب الذى يغطى على كل شىء!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com