ارتقى لكي نحيا

ارتقى لكي نحيا

أيمن الصفدي

خلف الدّمعة التي حبسها جلالة الملك حزناً على راشدٍ فيضٌ من دموع الأردنيّين وهم يودّعون شهيداً ارتقى لكي نحيا. راشد الزيود فقيد الوطن كلّه. من أجل أمنه واستقراره مضى. نادى الأردن فلبّى. وعلى درب المجد الذي شيّده أهله وأبناء وطنه سار جنديّاً أردنيّاً شامخاً مخلصاً لرسالة وطنه وجيشه العربي.
وشامخاً أيضاً وقف والده وهو يحتضن التضحية واجباً لكي يعيش أهل الأردنّ بأمان. في اللحظة الصعبة بانت معادن الرجال الأصيلة. وقف الأردنيّون، كعادتهم، صفّاً واحداً خلف الوطن وهو يردّ ضرر دعاة الموت. كان الحزن كبيراً بحجم التضحية. ومن الحزن تدفّق الحزم جديداً أصلب أن يظلّ الأردن عصيّاً على الظلام والفوضى.
يستطيع الإرهاب أن يتسلّل إلى بعض جحور العتمة في وطننا. لكن لا مكان له إلا في الجحور. فالأردنّ وطن حياة. وسيبقى منيعاً في وجه الظلاميّين لأنّ مقوّمات منعته راسخةٌ في بنيته وثقافته وفي قيم شعبه.
دم راشد، كدم معاذٍ ومن سبقهما من شهداء الأردن، ديْنٌ علينا جميعاً. نسدّه بالحفاظ على أمننا واستقرارنا وتماسكنا مجتمعاً متراصّاً مستنيراً. الجيش العربيّ ودائرة المخابرات العامة وكلّ القوى الأمنيّة كفيلةٌ بالعدى أمنيّاً وعسكريّاً. لكنّ المعركة لم تكن يوماً محصورةً في هذين الجانبين. ساحتها الأوسع ثقافيّةٌ فكريّة. والجميع في هذه الساحة جنود.
خطر الإرهابيّين قائم. وضلاليّتهم تسلّلت إلى عقولٍ ضعيفةٍ مريضة. وحشيّة مخططات خليّة إربد أظهرت أنّ بعض هؤلاء تجاوز مرحلة الاعتناق العقائديّ لظلاميّة ”داعش“ إلى مرحلة العمل الفعليّ على قتل الأبرياء من أهلنا وضرب أمننا واستقرارنا. ولم يعد مقبولاً التغاضي عن هذه الضلاليّة أو من يروّج لها أو يتعاطف معها تحت أيّ ذريعة.
يواجَه الإرهاب بتكسير سرديّته. ويتمّ ذلك برفض التطرّف الذي يغذّيه. هذا التطرف موجود. ينمو في الانغلاق الفكرّي والتقوقع الهويّاتيّ الضيّق. ويعيش أيضاً في السوداويّة التي تقتل أمل الناس بحياةٍ أفضل. تحتاج المعركة ضدّ الإرهاب جرأةً أكثر في مراجعة مناهج التعليم وحدود المقبول في المنابر العامة. وتحتاج كذلك مواجهةً أشدّ مع الذين يدّعون رفض جرائم الإرهاب ولكن يرفضون إدانة عفنه الفكريّ.
والحقيقة أنّ في بعض وسائل الإعلام الإقليميّة من يصوّر ”الداعشيّة“ ردّاً على ظلمٍ قهر الناس وحرمها حقوقها. وفي وسائل التواصل الاجتماعيّ من يحتفل بالفكر الإقصائيّ الإلغائيّ. وفينا من يستغلّ المنابر العامة لبثّ قولٍ رفضويٍّ سوداويٍّ يلتقي مع الإرهاب في كلّ شيءٍ إلا الارتكاب الفعليّ للجرائم.
نبذ هؤلاء وتعريتهم والتصدّي لهم شرطٌ أساسٌ لكسب معركة حماية الوطن من دماريّتهم. واستراتيجيّة مكافحة الإرهاب الشاملة التي طلبها الملك يجب أن تطوّر وتفعّل.
ثمّة ضرورةٌ للقلق من عبثيّة الإرهاب وللتحوّط منه. وهناك أيضاً مبرراتٌ للثّقة بقدرة الأردن على هزيمته. كشفت ليلة الثلاثاء الماضي في إربد حجم حقد الإرهابيّين على الأردن. لكنها بيّنت أيضاً أنّ أردنّاً فيه راشدٌ وأبو راشدٍ ورفاق سلاحهما، فيه شموخ الأردنيّين ولحمتهم، وفيه عبدالله الثاني ابن الحسين ملكاً يحبس الدمع على الشهيد ويضع التراب على قبره سيظلّ وطناً عصيّاً على الإرهابيّين وعتمتهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com