آخر ما قرأتُ… عن ملك مخبول!

آخر ما قرأتُ… عن ملك مخبول!

نجم عبد الكريم

أعجب مغامرة – هذائية – على امتداد التاريخ، بطلها مخبول إنكليزي يريد أن يضع على رأسه تاجاً، ليغدو ملكاً في منطقة تقبع في قاع الفقر، اسمها ”أوركانيا“ وسط أميركا الجنوبية!

فهذا المخبول كان يخطب في هؤلاء الفقراء التعساء، فيقول لهم:

”اتبعوني أقدكم إلى المجد“!

ولم يكن من أهالي أوركانيا الذين هم من بقايا قبائل الأنكا القديمة، يريدون غير أن يطعموا أفواههم الجائعة، والثياب لأجسادهم العارية.

ولما لجأ الأهالي إلى جارتهم تشيللي قال لهم حكامها: ”سنعطيكم ما تريدون إذا تنازلتم لنا عن أراضيكم“! فرفضوا… ولجأوا إلى حكومة الأرجنتين، وهي جارة لهم أيضاً، فقال لهم قادتها: ”نعطيكم ما تريدون، على أن تفسحوا لنا المجال لاستخدام أراضيكم لمحاربة عدوتنا تشيللي“!

ورفض أهل أوركانيا مطلب الجارتين.

فظهر لهم هذا المخبول الإنكليزي ليعدهم:

”ستصلكم المعونات المالية، والعسكرية من عمتي (الملكة فيكتوريا) وستُبنى لكم بيوت، وسيتمكن كل إنسان منكم من زراعة أرضه وتربية مواشيه… كل ذلك بلا مقابل… مقابله الوحيد أن تعترفوا بي قائداً لكم وملكاً عليكم“!

• ولم يدرك الأهالي أن الرجل مخبول… بل إن أحد زعمائهم الفتى بورونا صار من أشد الأنصار تحمساً له، وزوّجه من أخته مانتوبا، وأقنع كثيراً من الزعماء بمبايعته ملكاً!

• التقطت الصحف البريطانية خبر هذا الملك المجنون وسخرت منه، مما دفع بالقنصل إلى أن يتصل به ليقنعه بالعدول عما يفعله في أوركانيا:

– يا صديقي أنت في حاجة إلى العلاج… ولست بحاجة إلى التاج!

– كلا لن أعود إلى إنكلترا، وأترك شعبي فريسة للاستعمار التشيللي، أو الاستعمار الأرجنتيني!

• والغريب أن ما نشرته الصحف البريطانية عن الملك المخبول أثار شهية الدوائر الحكومية لدراسة الموضوع بعقلية استعمارية، حيث عزم بعض نواب الحكومة على حث حكومتهم لاحتلال أوركانيا رغم معرفتهم بالخلل العقلي الذي يعانيه ذلك المخبول!

• لكن تشيللي لم تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يجري في أوركانيا، فقال وزير دفاعها لرئيس جمهوريته:

– يا صاحب الفخامة، لا تشغل بالك بهذا المجنون، فليس هناك أسهل من اغتياله، وليس أسهل من تبرير اختفائه للقنصل البريطاني!

– كلا يا عزيزي ماركوس… ليس بعد أن احتجز ولدي أنطونيو وزوجته في قصره شهرين كاملين… حيث سيوجه القنصل الاتهام إلى أنطونيو على الفور!

– لكن يا صاحب الفخامة، لا أحد يجهل أن جورج أورلي مختل العقل، ولقد طالت هذه اللعبة أكثر مما يجب، ومعي تقارير تؤكد أن الحكومة البريطانية تنظر إلى الموضوع بمنتهى الجدية!

– فماذا تقترح؟

– إلقاء القبض على المخبول ومن معه!

– لكنه من رعايا بريطانيا، ولا أريد أن أدخل في مشكلات مع إنكلترا في وقت نحن في أشد الحاجة إلى معاونتها ومساندتها لنا في حل مشكلاتنا مع الأرجنتين.

– يا صاحب الفخامة، هل ننتظر حتى نرى الأسطول البريطاني في مياهنا، بحجة حماية ملك أوركانيا؟!

– لا أحد يريد ذلك يا عزيزي ماركوس… وأرجو ألا تدع بغضك لإنكلترا يدفعك إلى معاداتها في وقت نحن بحاجة إلى معونتها.

• وكان أورلي الملك المخبول يُمطر الصحف البريطانية بالبيانات التي يصر على أن يوقع في ذيلها  صاحب الجلالة جورج أورلي الأول ملك أوركانيا!

واشتد عليه مرض الجنون، مما دفع بزوجته إلى أن تدخله إحدى المصحات، وبينما هو في المصحة أرسل هذا البيان: ”سأعود يا شعبي العظيم، سأعود لأقودكم إلى المجد والثراء، سأعود ومعي المال والسلاح، فكونوا أوفياء لعهدي، فسأعيش وأموت على عهدكم… جورج أورلي الأول ملك أوركانيا“!

***

• لكن الأحداث تطورت في المنطقة، ودخلت تشيللي والأرجنتين في معارك أضاعت أوركانيا برمتها.

• رب قائل: ما هذا الذي يذكره لنا نجم عبدالكريم في جريدة الجريدة؟!.. أجيب: من سوء الحظ أن هذا الكتاب الذي لخصته لكم هو آخر ما قرأت.. عن ملك مخبول!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com