الثورة الإيرانية التي لم تنتج سوى الخاسرين

الثورة الإيرانية التي لم تنتج سوى الخاسرين

في نفس هذا الوقت من كل عام تمطرني وسائل الإعلام من مختلف دول العالم بسيل من الطلبات للمشاركة في احتفالات بذكرى الثورة الخمينية التي اندلعت في إيران عام 1979.

وبما أنني لا أستطيع إخفاء مشاعري، أصبح الجميع يعرف أنني دائمًا أتحدث عن تلك المناسبة بغضب. ما أغضبني هو أن إيران أقدمت في، لحظة جنون تاريخي، على المغامرة بتعليق مستقبلها على آيديولوجيا نصف ناضجة صاغها ملالي من أنصاف المتعلمين.

ما أغضبني هو أن الخميني وأتباعه من الماركسيين الزائفين ورطوا إيران في أطول حرب في تاريخنا حصدت أرواح مليون إيراني وعراقي. ما أغضبني هو الإعدامات الجماعية التي حصدت في بعض الأحيان الآلاف في عطلة واحدة لنهاية الأسبوع.

إلا أنني هذا العام عند تنقلي من أستوديو لآخر «لتقييم نتائج» استيلاء الثورة الخمينية على الحكم، أشعر بالأسى أكثر من إحساسي بالغضب.

ربما كان عامل السن هو ما جعلني أكثر ميوعة في المواقف.

أو ربما لأنه في السنوات الأخيرة تواصلت بشكل أكبر مع الشباب الإيرانيين، منهم شباب لم يشهد عودة آية الله لممارسة هوايته في الإعدام الجماعي. ففي زمن آية الله لممارسة تلك الهواية، كان تعداد سكان إيران 38 مليون نسمة، والآن وصل العدد إلى 80 مليونًا، ومالت كفة الميزان السكاني تجاه المستقبل، لا الماضي. وحوالي ثلثي الشعب الإيراني اليوم إما أنهم لم يكونوا قد ولدوا بعد عندما تولى الملالي الحكم أو كانوا أطفالاً غير مدركين للخداع الذي يمارسه الكبار. لا نستطيع القول إن دماء الأطفال يجب أن تكفر عن خطايا الآباء. فبالنسبة للجيل الجديد من الإيرانيين، فإن عراكي مع آية الله الراحل وخليفته الثمانيني ينطوي على مفارقة تاريخية لا تخلو من غرابة.

الجيل الجديد لا يرغب في الأشياء التي رغب فيها آباؤهم، فهم لا يبالون بالآيديولوجيا ولا يقتربون من العالم الحديث، العالم الذي لم يلعبوا دورًا في صنعه، وداخلهم مزيج من الافتتان والشك. يتطلعون لأن يصبحوا جزءًا من هذا العالم الإبداعي رغم فوضويته، وبمجرد أن ينالوا فرصة ضئيلة سوف يظهرون قدرتهم على المساهمة في تطوره.

ولذلك أشعر بالأسى لهذا الجيل الجديد المجبر على كبح قدرته على الإنتاج والعيش تحت مستوى قدراتهم لأن النظام الخميني المفلس أخلاقيًا بنى جدارًا حولهم. أظهر هؤلاء الناس الذين ينتمون لنفس الجيل والذين استطاعوا الخروج من إيران مواهب وطاقات نالت الإعجاب. فنحو 45 في المائة من مهندسي وكالة ناسا من أصول إيرانية. وكشف وزير الصحة الإيراني الدكتور هاشمي أن عدد الأطباء الإيرانيين في الولايات المتحدة وكندا يفوق عدد الأطباء في الجمهورية الخمينية. فعلى مدى عقود، عانت إيران من أكبر جفاف في العقول في التاريخ، حسب دراسة أجراها البنك الدولي.

ولذلك أشعر بالأسى للشعب الإيراني المحروم من تلقي خدمات أبنائه.

هؤلاء الذين يعيشون في إيران محرومون أيضًا من فرصة بذل أقصى طاقتهم وإخراج طاقتهم الكامنة. في مهنتي الصحافية، أستطيع أن أحدد بعض تلك الطاقات في الإعلام الإيراني اليوم، وهو أنه لو أتيح للإيرانيين الحد الأدنى من الحرية فسوف نرى إنتاجًا يرتقى لأعلى مستوى. فسبب وضعهم الحالي هو أنهم لم يحصلوا على أدنى قدر من الحرية، ولذلك اشعر بالأسى لحالهم.

لدينا في إيران أناس لو أنهم حصلوا على الفرصة، فسوف ينتجون أدبًا، ومسرحًا، وسينما، وفنًا بمستوى راقٍ. المشكلة هي أنهم مجبرون على الالتزام بمعايير الرقابة وإلا فالسجن، وفى النهاية النفي سيكون مصيرهم.

لذلك أشعر بالأسى لهم، بينما بقيتنا محرومون من ثمار النابغين منهم. أشعر بالأسى على وزارة الإرشاد الإسلامي التي تحاول تحريم استخدام بعض الكلمات في الأدب، وبدأت ذلك بإعداد قائمة حوت 38 كلمة.

أشعر بالأسى للأقليات الدينية والعرقية غير المسموح لها بالحد الأدنى من الحرية التي نعموا بها لقرون.

ليس كل الإيرانيين مسلمين، وليس كل المسلمين شيعة، وليس كل الشيعة من الاثني عشرية، وليس كل الإثني عشرية متشددين، وليس كل الراديكاليين خمينيين، وليس كل الخمينيين بأنصار لآية الله علي الخميني الذي اعتبروه «قائدًا للأمة الإسلامية».

ونظرًا لاحتكارهم للسلاح والمال، فإن أقلية صغيرة من الملالي والعسكريين قامت باحتجاز الشعب كرهينة.

أشعر بالأسى لنحو 230 ألف معتقل في سجون الجمهورية الإسلامية ولنحو 6.5 مليون إيرانى جرى اعتقالهم في السجون الإسلامية على مدار العقود الأربعة الماضية.

أشعر بالأسى لمير حسين موسوي وزوجته زهرة رانهارد ومهدي كروبي، وكلهم خمينيون متحمسون، كلهم قُدر لهم قضاء ما تبقى من أعمارهم تحت الإقامة الجبرية من دون محاكمة.

أشعر أيضًا بالأسى لأبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية الخمينية، الذي خارت قواه في المنفي، كذلك خلفاؤه الثلاثة هاشمي رفسنجاني، ومحمد خاتمي، ومحمود أحمدي نجاد لحرمانهم من جوازات السفر ومنعهم من مغادرة إيران.

أشعر بالأسى لعائلات 100 ألف رجل وامرأة جرى إعدامهم من قبل الملالي، منهم 200 قتلوا منذ فاز الرئيس حسن روحاني «وأبناء نيويورك» بنصيب من السلطة.

لكن أرجو أن تسامحوني لأنني أشعر أيضا بالأسى لروحاني الذي اعترف تكتيكيًا بأنه ممثل يؤدى دور الرئيس في حين أن السلطة الفعلية تكمن في مكان آخر. فحسب كبير قضاة إيران صادق لاريجاني الأسبوع الماضي، «سُلطات الرئيس غامضة في دستورنا الإسلامي. فأن تلقبه برئيس السلطة التنفيذية أمر موضع تساؤل». أشعر بالأسى لحكومة تنفق جزءًا من دخل إيران بمقتضى إذن من مجموعة 5+1، وتقيم «احتفالات متزامنة» عندما يأمر الرئيس أوباما بالإفراج عن جزء ضئيل من أصول البلاد «المجمدة».

روحاني اعتبر تلك الإهانة «فتحًا مبينًا»، ويزعم أن ذلك بمثابة «أكبر نصر إسلامي». أشعر بالأسى لذلك.

أوجد الخميني نظامًا جعل فيه الجميع خاسرين، حتى هو نفسه، فجسده محفوظ في ضريح فخم تكلف بناؤه 150 مليون دولار أميركي.

باستثناء أطفال المدارس الذين ينقلون في حافلات لمشاهدة الضريح بالقوة، فإن مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، ووزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شاتينماير، نادرًا ما يزور أحد هذا المكان. بالنسبة للإيرانيين، أصبحت كتابات آية الله الراحل، خاصة قصائده، مضحكة أشبه ببمن يلقي النكات.

أخيرًا، وأرجو ألا تتضايقوا منى، أشعر بالأسى حتى على المرشد الأعلى الذي يعتبر أيضًا الخاسر الأكبر في نظام خسر فيه الجميع، حتى الفائز منهم خسر. فمنذ عام 1989، لم تطأ قدمه مكانًا خارج إيران، ولا يجرؤ على زيارة 25 ولاية من إجمالي 3 ولاية إيرانية خوفًا من الاغتيال. لا يستطيع السفر خارج البلاد لأن هناك إنذارًا أحمر صادرًا من البوليس الدولي ضده لتورطه في قتل المنشقين الإيرانيين الأكراد في برلين. هو سجين الماضي، ناهيك عن أوهامه الخاصة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com