في لعنة الأيديولوجيا

في لعنة الأيديولوجيا

موسى برهومة

لم تكن صرخة ماركس بأنّ «الدين أفيون الشعوب» تعبيراً حرفياً عن ضيق صاحب «رأس المال» بالأديان أو الميتافيزيقا، بقدر ما كانت احتجاجاً ضد ما تفعله الأيديولوجيا بالعقول، مع أنّ ماركس نفسه تورّط في ما شكا منه، فأنتج حتمية أيديولوجية ظل يدافع عنها حتى آخر أيامه، وورث الشيءَ نفسه أبناءٌ وأحفادٌ لا يزالون يقاربون الفكر الماركسي بشيء من القداسة بل التحنيط.

وفي بعض تعريفات الأيديولوجيا، كما يرى المفكر المغربي عبدالله العروي، أنها «تراكم معانٍ» وما يفعله هذا التراكم من استيلاء على الذهن، وهو ما نلمسه الآن على نحو جليّ في ما تخلّفه العواصف السياسية والانقلابات التي يضجّ بها محيطنا الهادر.

وكشفت تجربة مضايا، وهي أحدث لحظات عارنا الإنساني، عن تجرّد الكائن من صفاته الآدمية، واستخفافه بالحياة، وتبريره أن يأكل «أخوه» أوراقَ الشجر ومخلفات البهائم والجيف، ومن لا يسعفه حظّه في نيل ذلك، قد يقضي، كما جرى مع كثر، جوعاً أو عطشاً أو يأساً من فسحة أمل تتنزّل من سماء المعجزات.

والأيديولوجيا تبرّر ذلك، بل إنها تفعل أكثر من ذلك، فتجمّله وتشدّ على يديْ ذلك المسلّح الذي أعمته، هو أيضاً، الأيديولوجيا، وحوّلته إلى «روبوت» مبرمَج، بلا مشاعر، ولا تأنيب ضمير، إنه وحسب ينفّذ الأوامر ويقدّس التعليمات ولا يخرج عن النصّ أبداً، فالخروج على الفكرة يعني تعطيل المهمة وتشويش الأداة وإرباك الهدف.

ويجهد الإعلام التابع لمحاصِري قرية مضايا في «تفنيد» الصور التي تبثّها «وسائل الإعلام المعروفة بدعمها الجماعات الإرهابية المسلّحة في سورية»، ويزعم أنها مفبركة، فيروح يبحث ويمضي وقتاً لا نحسبه بالقليل، في إيراد الدلائل على أنّ صورة الرجل الذي زعم «الإعلام المعادي» أنها لرجل في مضايا بانت عظام كتفيه من الجوع، إنما هي لرجل مدمن مخدرات التقطت في 2009 في دولة ما في العالم، والثانية لسيدة عمرها 72 سنة خسرت نصف وزنها بسبب مشاكل صحية، والتقطت الصورة في 2014. وكلا الخبرين منشور، كما يوضّح المفنّدون، في صحف أجنبية، ما يعني أن ثمة فضلاً عن البحث والاستقصاء والتنقيب، ترجمةً، من أجل أن يكون «التفنيد» دقيقاً ومراعياً شروط «النزاهة» و «المصداقية».

بيْد أنّ المفنّدين الحريصين على كشف «تدليس» الإعلام المعادي، لا يتطرّقون إلى المأساة نفسها، ويتجوّلون على حوافها البعيدة. إنهم معنيّون، فقط، بكذب الصورة، وليسوا آبهين بالبشر ومآلاتهم، ففيما كان المفنّدون يبيّنون تهافت الصور، ويترجمون شروحاتها وزمانها ومكانها، كان آدميون كثر يلفظون أنفاسهم، ويــلتــحقون بقــوافل الموت جوعاً، فأيّ لعنة تجرّها الأيديولوجيا على الإنسان، حين يفتح عينيه على حدث ضئيل الشأن، ويغمضهما عن مأساة تثبت أنّ «الإنسان» في بعض مناطق الشرق هو كائن متوحش بلا رأفة أو رحمة، كائن ممانع للصفات الخيريّة التي طبعت السليقة البشرية، فأعلت من مشــاعر الشفـقة والتعاطف الوجداني، وروّضت، بالحضارة والثقافة والأخلاق، الحيوان الذي في داخل الإنسان، ومنحته سمواً وأفضلية، وميّزته بالعقل.

لكنّ للعقل آفاته الفتّاكة، واجتراحاته المؤدية إلى التهلكة، بخاصة حين يحتمي بالأيديولوجيا وجدرانها السميكة التي تعطّل العقل وتكبح فطرته، ثم تستولي على الوجدان وتهزمه، فلا يعود يرى آلام الضحايا وعذاباتهم إلا من ثقب إبرة المعاني المتراكمة التي جعلت هؤلاء الضحايا يموتون جوعاً، لأنهم يستحقون هذا المصير، وهذا القصاص «العادل»!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com