أنا حرة!

أنا حرة!

سليمان جودة

الذين شاهدوا فيلم «أنا حرة» في زمن مضى، عن رواية تحمل الاسم نفسه، للأستاذ إحسان عبدالقدوس، مدعوون هذه الأيام، ليس إلى مشاهدة الفيلم ذاته الذي شاهدوه مرة بعد مرة، ولكن إلى قراءة الرواية التي صدرت في طبعة مختلفة وجميلة، عن الدار المصرية اللبنانية.

والحق أن هذه الدار تظل مشكورة مرتين: مرة لأنها قررت إعادة نشر أعمال الأستاذ إحسان بالكامل، وليس رواية «أنا حرة» وحدها، ثم مرة أخرى لأنها تريد أن تقول لنا، إن القراءة لاتزال ممكنة، بل مطلوبة بإلحاح، وإن هذا الصخب الذي نعيشه بين مواقع التواصل الاجتماعي وبين الفضائيات، لن يغنى أبداً، عن أن يكون في يدك كتاب فى كل الأوقات!

إنني في كل مرة أذهب فيها إلى عاصمة أوروبية ألاحظ، ويلاحظ غيري طبعاً، أن الكتاب هناك لايزال موجوداً بقوة، ولايزال مقروءاً باهتمام، ليس في المكتبات العامة، أو المدارس، أو الجامعات وحدها، وإنما في المواصلات العامة بكل أنواعها، فلا تكاد تصعد في باريس، مثلاً، إلى أتوبيس عام، ولا تكاد تنزل إلى المترو، حتى تقع عيناك على الكتب متناثرة، في أيدي الركاب، يطالعها كل واحد في مكانه، في إمعان، إلى آخر الرحلة!

فإذا كان الكتاب عندنا، من نوعية «أنا حرة» التي أصدرتها الدار، بغلاف جذاب للغاية، وبحروف وأوراق مريحة للعين لأبعد مدى، فسوف تكون متعتك بالقراءة مضاعفة، لأنك سوف تجد متعة في الشكل، وفى المضمون معاً!

كنت قد قرأتها زمان، ولكنى عدت إليها هذه الأيام، ووجدت أنها فرصة لأدعو كل قارئ إلى أن يقتنيها مع سائر أعمال المؤلف، لأني أعتقد، مع كثيرين غيري، أن إحسان عبدالقدوس، ذلك الكاتب الفنان، لايزال فى حاجة، ليس إلى أن نقرأه، وإنما إلى أن نعيد قراءته.. فهو كاتب لم يكن يضيع وقتاً بما يكتب، ولكنه كان دائماً يرجو أن يرتقى بعقل القارئ، وأن يجعله بعد القراءة، أفضل منه قبلها!

ولابد أن رواية «أنا حرة» تحديداً، تبقى أنسب الروايات لتصوير ما يعيشه مجتمعنا، منذ قامت ثورة 25 يناير إلى الآن!

فالفكرة في الرواية كلها، هي فكرة الحرية، وكيف تكون، وربما يذكر الذين شاهدوها فيلماً، ولم يقرأوها نصاً مبدعاً، أن «أمينة» التي كانت هي البطلة فيها، راحت على مدى أحداث الرواية من أولها لآخرها، تبحث عن حريتها تارة، وتطاردها تارة أخرى، وكانت تفعل ذلك، باعتبار أن الحرية غاية تود هي أن تصل إليها بأي ثمن، وأن تقبض عليها بيديها بأي طريقة، إلى أن أفاقت في آخر هذا العمل المبدع على أن الحرية ليست غاية أبداً، ولن تكون، وأنها وسيلة إلى غاية نريدها، وأن توظيف الحرية، في غير مكانها، أو فهمها على أنها غاية، مسألة مدمرة!

الكاتب يريد الحرية، ليس ليلهو بها، ولا يجعلها هدفاً في حد ذاتها، وإنما يريدها ليجعلها، كوسيلة، في خدمة مجتمعه، وفى سبيل أن ينتقل هذا المجتمع، من وضع سيئ، لوضع حسن، أو على الأقل لوضع أقل سوءاً.. وما لم تكن الحرية، لدى الكافة، بهذا المفهوم، فهي والفوضى سواء.

نريد الحرية لأقصى حد ممكن، ولكن بشرط أن نوظفها لصالح بلد، لا أن نستغلها لتدمير وطن!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com