حاجتنا الى الإنكار

حاجتنا الى الإنكار

حسام عيتاني

يمكن فهم حملة الادانات الواسعة التي غصت بها وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي بعد افراج محكمة التمييز العسكرية في لبنان عن الوزير والنائب السابق ميشال سماحة بحاجة ماسّة لدى اللبنانيين الى التوازن النفسي في بلد لم يعد فيه شيء يشبه الدولة التي تستحق هذه التسمية.

عودة متهم الى بيته بعدما ثبت بالصوت والصورة والاعتراف، تخطيطه واعداده تفجيرات ترمي الى قتل ابرياء واشعال نار اقتتال طائفي، والاسراع بعد وصوله الى منزله الى اطلاق التصريحات الصحافية التي لا يُشتم منها اي رائحة للندم او لمحاولة تبرير ما فعل، في افراج محض سياسي قفز فوق كل القوانين والاعراف والحس السليم الذي تسير عليه العدالة والقضاء والاجراءات الادارية، شيء يفوق قدرة المواطن العادي على التحمل، في وقت تتفاقم فيه الازمات المعيشية والاقتصادية وتبدو فيه مسائل شديدة البساطة مثل رفع النفايات من رابع المستحيلات التي تعجز الحكومة عن القيام بها.

لماذا لا تستطيع اجهزة الدولة معالجة تراكم النفايات المستمر منذ ستة شهور وتقدر على الافراج عن مجرم كان ينتظر حكما مؤكدا بالسجن المديد لاعتزامه اضرام نار حرب اهلية في البلد؟ لماذا يتعرض الناشطون المدنيون الى قمع عنيف عند احتجاجهم على الفساد فيما يخرج من جلب عبوات ناسفة لزرعها بتجمعات مدنية من السجن ليلقي محاضراته الفاجرة في رفض التطرف والتحذير من «داعش»؟ عشرات الاسئلة التي تحوم في رأس المواطن المرمي امام شاشة تلفزيون العبث اللبناني.

بائس وممل وغير ذي جدوى ذلك التراشق بين خنادق الانقسام الطائفي حول الجهة التي احتقرت في خطابها وممارساتها، اكثر من غيرها، القوانين والحكم الرشيد ومقتضيات قيام الدولة في هذا البلد. وعديم الاخلاق من يتبنى التبرير القائل ان لكل طرف الحق في الارتكاب والخروج على القانون ما دام الطرف المقابل مرتكباً وخارجاً على القانون. فأقل ما يقال في هذا التفسير انه يحمل دعوة صريحة الى العودة الظافرة الى قانون الغاب وانتزاع الحق بقوة الذراع وتجاهل التعاقد الاساسي بين مواطني أي دولة تزعم وجود حد ادنى من الحضارة في سلوكها اليومي، اي التعاقد القائم على الاحتكام الى القانون وعمل المؤسسات.

لكن ما الذي تقوله المهزلة التي اسفرت عن اطلاق سراح ميشال سماحة، بما يزيد عن لعْنِ النظام والقوى المتنفذة فيه والقادرة على التلاعب بالقانون كما شاءت وشاء لها مشغّلوها الاقليميون؟ تقول ان لبنان يمضي بثقة على درب الدولة الفاشلة، من جهة، وأن الأحزاب والتيارات الطائفية الممسكة به لن تبدل سلوكها قبل ان ينهار البناء على رؤوس الجميع، من الجهة الثانية. ويقول ايضا ان فشل الحراك المدني الذي اطلقته ازمة النفايات في تموز (يوليو) الماضي، يعلن (الفشل) رضا الشرائح الاوسع والاوزن من الاجتماع اللبناني عن زعاماتها الطائفية وقبولها الضمني بها وبشرعية تمثيلها، حتى لو أدى هذا القبول الى المزيد من الفقر والهجرة واليأس والموت، ما دامت كل هذه الآفات مغطاة بغطاء كرامة الطائفة وحقوقها.

عليه، لم يعد لدى اللبنانيين امام هذا الواقع المزري سوى انكاره، سوى الزعم بعدم وجوده، سوى الحلم ان الحالة الراهنة هي الاستثناء الذي سيزول لتعود الامور الى مستوى مقبول من المنطق. المأساة اننا إذا تخلينا عن هذا الانكار، نحكم على انفسنا بالموت اختناقا في مزبلة يفوح منها نتن قتلة أفرِج عنهم بقرارات قضائية يديرها قادة طوائف لم يشبعوا من نشر الموت في لبنان وخارجه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com