إحصاءات

إحصاءات

سمير عطا الله

كل عام تجري الصحافة حول العالم «جردة حساب». وتحل الأرقام والنسب محل الكلام والتحريك. ونحن نعد كل عام الخسائر بالأرواح، والخسائر بالمال، والخسائر بالأمل. لا أدري منذ متى يمضي بنا زمننا إلى الوراء، لكننا نعرف أن التقدم لا يمر بنا، كأنه يخاف على نفسه. دولنا تنهار وجيوشنا تتفكك ومؤسساتنا لا تقوم ولا تنشأ؛ لأن في جيناتنا مصلاً مضادًا للمؤسسة. وبلا مؤسسة لا يمكن أن يبقى نظام أو دولة.
أول شيء سقط في «الربيع» العربي كان الدولة. اكتشف الليبيون بعد 40 عامًا أن الرجل الذي جاءهم من الجيش انصرف إلى بناء كتائب لأبنائه. واكتشف السوريون أن لا مانع لدى الجيش في إطلاق النار عليهم. وفي هذه الدولة الصغيرة التي اسمها لبنان، نزل إلى الشوارع عام 2005 مليون إنسان ولم يطلق عليهم الجيش رصاصة أو كلمة. الجيش في لبنان مؤسسة بناها فؤاد شهاب وحاول رعناء كثيرون شقها أو تدميرها، لكنها صمدت في وجه جميع تيارات الهواء. وقد تكرمت علينا دول بمحاولة شق الجيش، لكنه نجا.
الشخص ليس دولة ولا مؤسسة. صمدت مصر لأنها دولة مؤسسات. حكم الرجل طويلاً لكن بالتعاون مع المؤسسة، وليس ضدها. لم يحاول إلغاء الجيش أو القضاء أو الإدارة. عندما حاول محمد مرسي تفكيك المؤسسات، دفع الثمن. في العراق تحول حزب «البعث» مع رجل واحد من علماني مطلق إلى إسلامي مطلق. والحقيقة أن نواة «داعش» بدأت في الظهور والتشكل أيام صدام حسين وليس بعده. ومنذ الحرب مع إيران قرر أن لا بد من دعوى دينية، فلجأ إليها.
حيث هناك مؤسسات تتغير الحكومات والسياسات والمواقف والأحوال الاقتصادية، لكن الدولة لا تمس. باستثناء العيد الوطني لا أحد يعرف من هو قائد الجيش الفرنسي، أو البريطاني، أو الألماني. الدولة دائرة آلية من المؤسسات مثل الكرة الأرضية. كل واحدة لها وظيفتها. النظام العربي دمّر الدولة لكي يقيم النظام. وما نقرأه اليوم عن أرقام قتل وموت وخراب وضياع وخسائر ومشردين ولاجئين وجائعين وأرض محروقة وحدود ممحية، سببه الدولة التي دمّرت أو الدولة التي لم يسمح لها بأن تقوم.
رغم كل المحاولات لشل الدولة، لا تزال المؤسسات في لبنان تعمل، جريًا على ما اعتادته في الماضي. ليس أبدًا كما يجب، ولكن على الأقل كما تبقى.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com