المازني… والأمومة

المازني… والأمومة

نجم عبد الكريم

أخبرني الزملاء في ”الجريدة“ أن معظم من يتابعني من القراء هم في سن ما فوق الأربعين، فأحببت اليوم أن أعيد إلى ذاكرة قرائي سطوراً لواحد من الكُتاب الذين اشتهروا بالكتابة عن الأمومة، رغم أنه من كبار الكتاب الساخرين.
في هذا الحوار القصير الذي دار بين عبدالقادر المازني ووالدته تذكرة للقراء بكُتابهم من أمثال المازني.
***
قال المازني عن والدته:
”الحياة كانت مدرستها، وقد كان أبي في حياتها كل شيء، وإذا غاب في عمله، فإنها تعمل كل ما في وسعها لتهيئة الجو الهادئ المريح لأعصابه إذا جاء، وإذا جاء وتناول طعامه ودخل لينام في أيام الحر، يسكن كل شيء في البيت، وصار المشي كدبيب النمل، والحديث همساً لا يكاد يُسمع، حتى إذا أفاق من نومه عاد البيت إلى حاله، وكانت تحبه في صمت حب أمهاتنا وجداتنا، حباً لا تشي به أمام الناس كلمة أو إيماء، أو نظرة، وكثيراً ما سألتها بعد موت أبي بزمن كثير عن هذا الأمر، فتبتسم وتُطرق استحياء ويضطرم وجهها حتى في كهولتها الذاوية، وأُلح عليها بالسؤال:
– اسكت يا إبراهيم، هذا الذي تسأل عنه عيب.
– أداعبها – لو قلتِ انك لم تحبيه، لما لمتك…! ماذا كنت تحبين بالله في هذا الرجل المزواج المتعب، الذي جعل حياتك معه جحيماً فائراً بالغيرة؟!… لقد أساء إليك بالضرة.
– إنك لا تساوي الظفر الذي كان المقص يطيره من اصبعه…
يا أماه، كنتِ تحبينه إذاً…!
– اختشي يا ولد، هذا والله آخر الدنيا… الأولاد الذين لم يخرجوا بعد من البيضة يسألون أمهاتهم هذه الأسئلة التي لا أدب فيها ولا حياء!
اعترفي يا ماما.
– قم. قم. كفى قلة حياء.
فأنهض طائعاً وأميل على رأسها فترضى عني وتدعو لي، ثم تقول لي:
– لن يقبل الله دعائي هذا لك حتى تذكر والدك بكل خير…
اسمعي يا أماه، لم أعرف أبي كما ينبغي، فقد مات قبل أن أكبر، ولكنّ القليل الذي أعرفه مضافاً إلى الكثير الذي سمعته منكِ يقنعني بأنه (هو) لم يكن يساوي الظفر الذي يطيره المقص من اصبعك أنتِ.
وعزيز عليَّ أن أقول هذا عن أبي، فقد كان على العموم رجلاً فاضلاً ذا كرامة، ولكنني لا أغفر له أن أتعبكِ وأساء إليك بالضرة… أما أنتِ عندي فخير الناس، وسيدة الدنيا، وكل ما عداكِ هباء… اسمعي أيضاً، أنا أحاول أن أحيا حياة فاضلة لأنك معي في الدنيا، مجرد شعوري بوجودك يرفع نفسي ويعصمني من كثير، وما هممت بشيء إلا رأيتني أسأل نفسي: هل ترضى عنه أمي لو علمت، أو لا ترضى؟!… فأقدم وأحجم بناءً على جواب السؤال… إني مدين لكِ بكل ما جعلني كما أنا أطال الله عمرك.
قال كلماته الأخيرة هذه وكانت الدموع تتساقط من عينيه…
كتب عنه طه حسين وهو يرثيه:
”ما أحسب كاتباً كرّم أمه بكلمات كهذه سوى عبدالقادر المازني عربياً كان أو غربياً“.
وقيل للمازني يوماً: ما الذي فعلته أمك من أجلك حتى تعطيها كل هذا الاهتمام في كتاباتك عنها؟!
أجاب: فعلت الكثير من أجلي، بل هي التي صنعتني.
***
وقبل أن أنهي سطور المازني عن والدته، لابد أن أقف عند سخريته من الناس حتى بعد وفاته، حيث طلب أن يُكتب على قبره هذان البيتان من الشعر:
أيها الزائر قبري … اتل ما خُطّ أمامك
ها هنا فاعلم عظامي … ليتها كانت عظامك

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة