في أخلاق المقاومة وحداثتها… وفي نقدها أيضاً

في أخلاق المقاومة وحداثتها… وفي نقدها أيضاً

حسام عيتاني

شيء ما يغيب دائماً عن النقاش المتعلق بفلسطين وأشكال العمل من أجلها وأهدافه والشخصيات التي ارتبطت بهذه القضية. ثمة طرف متروك، سهواً أو عمداً، بين الخيوط التي تحوك صورة فلسطين وقضيتها في الوعي العربي.

لنُسمّ الخيط المتروك هذا الخيطَ الأخلاقي الذي يهيمن على كل كلام يتعلق بفلسطين بين العرب، من دون أن يرغب أحد في الإمساك به إمساكاً جدياً، وأن يمعن النظر في معناه وأثره على مسارات الصراع العربي – الإسرائيلي والفلسطيني – الإسرائيلي منذ نحو مئة عام حتى اليوم.

يتأسس الارتباك الأخلاقي العربي على عدم البت في جملة طويلة من القضايا قد تبدأ بحقيقة المأساة اليهودية في أوروبا السابقة على الهولوكوست، والتي بلغت ذروتها فيه، وربما لا ينتهي أساس الارتباك هذا بالوضعية الذمية الهامشية التي كانت تعيشها الطوائف اليهودية في البلدان العربية، حتى إذا دفعت أوروبا يهودها إلى فلسطين، التقى تبخيس العرب القضية اليهودية – الأوروبية بالاضطهاد الممارس عليهم في المجتمعات العربية.

من تجليات الارتباك المذكور الذي يستحق بحثاً منفصلاً ومُفصلاً، ترْكُ العمل المسلح ضد إسرائيل من دون ضوابط صارمة تضع مهمة حيازة التفوق الأخلاقي على الاحتلال وممارساته وظاهرته المؤسسة برمتها، في مصاف الواجب الذي يتعين على الطرف المهزوم عسكرياً وسياسياً والخاسر أرضَه والممنوع من إقامة دولته، أن يعمل على اكتسابه والحفاظ عليه. القبول باستخدام العنف من دون تحديد دلالته وأخطاره والحدود التي يمكن أن يصل إليها في صراع مركّب مثل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بذريعة أن العدو مارس عنفاً مفتوحاً ومن دون حدود على شعوبنا، عمّق صعوبة الأسئلة التي تطرحها على الوعي العربي إشكالات من نوع شرعية استهداف المدنيين الإسرائيليين مقابل استسهال إسرائيل قتل المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين والعرب عموماً.

على أن العنف العربي في مواجهة إسرائيل يشير، من بين ما يشير إليه، إلى مشكلة كبيرة في وظيفته. فلئن استخدمت المنظمات الصهيونية العنف من ضمن منظومة ثقافية حداثوية، ترى فيه أداة لبلوغ هدف وتؤجل النقاش في أخلاقياته إلى ما بعد تحقيق الأهداف المرجوة منه، نظر العرب إلى العنف كأداة في صراع ثأري أهلي في المراحل الأولى، ثم انحدر النظر هذا إلى اعتبار العنف وسيلة من وسائل الصراع الديني مع اليهود.

لكن، من يرسم الحدود الأخلاقية في العمل العسكري؟ نعطي مثلاً: لم يتعرض الطيارون الأميركيون الذين ألقوا القنبلتين الذريتين على هيروشــيما وناغازاكي أواخر الحرب العالمية الثانية، إلى مساءلة قانونية في بلدهم بفضل انتمائهم إلى المعسكر المنتصر. مجرمو الحرب اليابانيون الذين أداروا معسكرات الموت في الصين وكوريا، حوكموا في المقابل. مقتل المدنيين اليابانيين حرقاً وهم أحياء في العاصفتين الذريتين اللتين أطلقتهما القنبلتان الأميركيتان، لا يقل وحشية عما كان يقوم به أطباء الموت اليابانيون، أو عن مجازر نانكينغ التي ارتكبها اليابانيون في الثلاثينات في الصين. إفلات الطيارين الأمـــيركيين وقيادتهم الســـياسية من العقاب لا يعني براءتهم مما فعلوا، بل يعني أن الحدود القانونية لم تُحط بالجرم لأسباب سياسية محض خلاصتها انتصار الولايات المتحدة وهزيمة اليابان، على ما هو معروف وبيّن.

أمر مشابه وقع عندما استولى النازيون الألمان على أرشيف الحزب الشيوعي في مدينة سمولنسك أثناء الحرب العالمية الثانية، فأطلقوا حملة دعائية واسعة على الجرائم التي كان يرتكبها الحكم الستاليني في حق المواطنين السوفيات. وهو ما جربه الألمان أيضاً في حملتهم لاستغلال مجزرة الضباط البولنديين على أيدي زبانية ستالين في غابة كاتين. والأرجح أن النازيين كانوا سينظمون محاكمات لمجرمي النظام الستاليني وما قاموا به قبل الحرب وأثناءها من مجازر جماعية وإعدامات تفوق التصور لمواطنيهم، لو قيض النصر للألمان. ولكنْ، بدلاً من ذلك كان النازيون هم من وقف في قفص الاتهام في نورمبرغ.

بكلمات ثانية، يبرز الفارق بين عملين لا أخلاقيين، جرميين، عندما يوضعان على ميزان القوة السياسية والعسكرية. بهذا المعنى، تصح العبارة الأميركية «القوة هي الحق» (Might is Right) وتصح أكثر مقولة أن القوة هي الأخلاق. فالقوة هي ما يحدد «أخلاقية» الفعل أو لا أخلاقيته. وتنحسر أهمية المحاكمات الأخلاقية إلى زوايا أكاديمية لا تعني الشيء الكثير على مستوى الجمهور العريض الذي يتلقى الرسالة الأساس: من يمتلك القوة، يرسم الحدود الأخلاقية.

بالاستناد إلى النموذج المذكور يمكن الانتقال إلى قراءة سياسية – أخلاقية في الصراع العربي – الإسرائيلي والفلسطيني – الإسرائيلي منذ عقود. لم يبدِ العرب والفلسطينيون، على ما سبقت الإشارة، كبير اهتمام بالتعامل مع مقولات العنف واستخداماته وأخلاقياته. سيطرت أفكار من سوية «الثأر» من النكبة التي أنزلتها الحركة الصهيونية بالشعب الفلسطيني (شعار حركة القوميين العرب مثلاً عند انطلاقتها «وحدة، تحرر، ثأر» أو مجموعات «شباب الثأر») بما يحيل إلى مخزون ماضوي وأهلي، بالأحرى غير سياسي، يغذي ويرفد التصور العربي لما يفترض أن يكون عليه الصراع مع إسرائيل. بيد أن فكرة «الثأر» تتأسس على تصور ندّي للعدو مشابه لتصور القبائل والعشائر عن بعضها. فإذا قتلت العشيرة الفلانية شخصاً من عشيرة منافسة، فعلى الأخيرة إثبات نديتها بل تفوقها على العشيرة القاتلة عبر الاقتصاص منها بفعلٍ مساوٍ، على الأقل، أو بما يلقن المعتدين درساً في التطاول على العشائر التي تفوقهم أهمية، في حال كان الجناة من عشيرة أدنى في التراتبية القبلية.

والحال أن بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين احتلوا البلاد ما يختلف جذرياً عن حسابات العشائر والقبائل. فلو قدِّرَ للفلسطينيين الثأر من النكبة بإنزال ما يعادلها بعدوهم، لانتهى الصراع بمنتصر ومهزوم واضحين. لكن الأمور ليست على هذه البساطة. المشكلة أن الفلسطينيين والعرب كانوا (وما زالوا) الطرف المهزوم، أمام أنفسهم وأمام العالم في هذا الصراع. عليه، لا يمكنهم تبني أخلاقيات (أو لا أخلاقيات) المنتصر. فمنذ 1948 على أقل تقدير، تنجو إسرائيل بجرائمها، ككيان سياسي وكمواطنين أفراد، ضد الفلسطينيين والعرب، من مجزرة دير ياسين إلى إحراق عائلة الدوابشة الفلسطينية في بلدة دوما بالضفة الغربية قبل شهور، مروراً بما لا يحصى من جرائم حرب موصوفة في غزة وقانا وجنين وغيرها. ولم يبد العالم اهتماماً يذكر بسقوط مئات الضحايا الفلسطينيين في القصف الإسرائيلي الأعمى على قطاع غزة عام 2014، لسبب بسيط هو أن الجاني ينتمي إلى المنظومة الدولية التي تمنح نفسها حق تصنيف المذنبين والأبرياء. وستبقى الحال كذلك في المستقبل المنظور.

الانتماء هذا الذي يدينه العرب والحاضر في عبارتيهم الشهيرتين «إن إسرائيل هي رأس حربة الاستعمار في المنطقة» و «إسرائيل هي الولاية الأميركية الحادية والخمسون» وما يشاكل هاتين العبارتين، كان يستدعي من العرب (و «العرب» مفهوم يتطلب شرحاً لا مجال له ههنا) إدراك أن الصلة العضوية بين إسرائيل والغرب، على النحو الذي يصورون، سيمنحها حصانة سياسية وديبلوماسية وعسكرية مقابل كل ما يمكن أن يرفعوه في وجهها من وسائل يجدر التمعن بتاريخها وأصلها ونسبها، من مثل العنف والدعاية المضادة والشكوى أمام المحافل الدولية. بيد أن العرب، إذا أُخذوا ككتلة سياسية واحدة، فإنهم لم ينجزوا واجباتهم في تبيئة هذه الأدوات ضمن مفاهيمهم وبناهم السياسية والاجتماعية والثقافية.

للرد على هذا الانحياز الفاضح والمكرس منذ عقود، تعالت أصوات فلسطينية وعربية ترى، محقة، أن «العالم لا يفهم غير لغة القوة». سلامة هذه الفكرة نظرياً يتعارض رأسياً مع وسائل تطبيقها. وما لم ير السياسيون والمقاتلون والكتاب العرب أهميته هو أن التصنيف الأخلاقي للعمل العنفي يرتبط بالجهة التي تمارسه وليس بقيمة أخلاقية مطلقة. أخلاق العنف شديدة النسبية، على ما حاولت أن تقوله الأمثلة أعلاه.

هذه النسبية كانت مرتبطة بالحيّز الحضاري الذي تدور فيه المباراة الأخلاقية. وما زالت كذلك. وحتى لا نبتعد كثيراً من الواقع، يتعين الاعتراف بأن مفاهيم الأخلاق والعدالة والحق وغيرها مما يشكل العمود الفقري لكل القاموس الحقوقي والسياسي في عالم اليوم، صيغ في إطار حضاري واحد هو الغرب (و «الغرب» مفهوم آخر يتطلب التدقيق). المأخذ العربي الدائم على الغرب أنه يتبنى معايير مزدوجة في مقاربته قضايا العرب، يغفل عن أن المعايير نفسها تحتاج إلى تحديد وإلى تعريف، وأن على العرب قبل غيرهم أن يحددوا مواقفهم من المعايير هذه. فالغرب الذي قدّم أفكار المواطنة والدولة والقانون والسيادة والحدود ضمن مسيرة الحداثة، قدم أيضاً مفاهيم العنف والاستعمار والاستيطان والإبادة الجماعية، وفي وسعه أن يكيّف مجموعتي المصطلحات والمفاهيم هاتين، وفق مصالح الفئات المسيطرة على السلطة فيه، في حين أن العرب يقفون خارج هذه العملية النظرية والسياسية ويمضون في التعامل مع المفاهيم تعاملاً انتقائياً أو اعتباطياً. يدل على ذلك التشوش المرافق كلَّ مظاهر الدولة الحديثة ومفاهيم السلطة والمجتمع والديموقراطية وغيرها، بل حتى مؤسسات وظواهر عامة مثل الإعلام والتمثيل السياسي والفنون…

لا جديد في ذلك، إذ إن الجدل بين البنية التحتية والبنية الفوقية وأثر الواحدة وتأثرها بالثانية، مدروس ومعروف منذ زمن. عليه، يبدو أن المسألة لا تتعلق بـ «نفاق» الغرب وادعاءاته الإنسانية التي تثبت المأساة السورية، على سبيل المثل لا الحصر، إنها ادعاءات غير مُلزمة لأصحابها إلا بدرجة التزامهم بتحقيق مصالحهم. فـ «المرونة» التي تتعامل بها الحكومات الغربية مع مسائل حقوق الإنسان والديموقراطية ومناهضة الاستبداد، المرونة التي نراها نفاقاً، تنجم في جانب منها عن اقتناع ضمني عند الحكومات وشرائح عريضة من القوى السياسية في الغرب بأن القيم المذكورة ليست كونية، وأن المجتمعات البشرية لم تصل كلها إلى مستوى واحد من الوعي والرقي والتحضر بما يتيح لها تطلّب الحرية والعدالة والمساواة، وأن البراغماتية تقتضي التحالف مع السلطات القائمة، الريعية النفطية والأقلوية المسلحة والديكتاتورية العسكرية، لا فرق، ما دامت المصالح مصانة. هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فالمفاهيم الواردة أعلاه ظهرت في سياق تطور تاريخي طويل لكنه غير منتهٍ على نحو يبيح إعادة النظر فيها عند المنعطفات (راجع على سبيل المثل النقاشات في شأن حرية التعبير والمواقف من المهاجرين بعد هجمات 11 أيلول – سبتمبر 2001، وباريس في تشرين الثاني – نوفمبر 2015).

لكن الجدل هذا بين المعرفة والسلطة، أو بين البنى الفوقية والبنى التحتية يتعرض لقمع قاس عندنا وتحل مكانه فكرة سكونية عن فلسطين التي تشير إليها دائماً «بوصلة» يمسك بها رؤساء أنظمة وأحزاب وطوائف ويحددون وفق قراءتهم لاتجاه البوصلة هذه ما هو الصواب وما هو الخطأ ومن هو الخائن أو من هو الوطني. بوصلة قَتَل محتكروها أي قدرة على نقد المسارات التي اتخذتها القضية الفلسطينية، خصوصاً نقد الممارسات التي ارتكبت باسمها. ثمة أنظمة وجهات غامضة ومعادية تتآمر على «فلسطين». وهناك حاجة إلى إلغاء الداخل العربي، السوري – المصري – اللبناني – العراقي من أجل إسقاط هذه المؤامرة التي لا تحول ولا تزول.

إذاً، هناك «فلسطينات» لا فلسطين واحدة. «فلسطين» متخيلة أو أداتية لكل نظام وحزب وحركة، بل حتى لكل صحيفة عربية، يُجرى عرضها كالجرح المفتوح لكسب المكانة أو المال أو السلطة أو هذه الأمور كلها معاً، في حين أن «فلسطين الموضوعية»، إذا جاز التعبير، تلك الموجودة على أرض الواقع والمستقلة عن دعايات الأنظمة وسياساتها، وفي المخيمات وفي الشتات، ضعيفة النسب بـ «الفلسطينات» المتخيلة. ومنذ عقود تحارب كل دولة عربية في سبيل «فلسطينـ»ها، أي من أجل منظومة مصالحها وصداقاتها وخصوماتها على امتداد العالم. ولا يصب شيء من مياه هذه الصراعات المهدورة في ساقية فلسطين الواقعية التي تزداد أحوالها سوءاً على سوء، وأهلها عزلة وانكشافاً أمام الاحتلال.

نشأ عن تعدد «الفلسطينيات» وتصارعها في ما بينها فكرة لا تقل أداتية يعبر عنها أصحابها بالمقاومة. على الساحة الفلسطينية، كانت هناك المقاومة التي مولها نظام صدام حسين والثانية التي تدين بالولاء لمحور الصمود والتصدي السابق على الممانعة، والثالثة التي تحصل على قوتها من دول الخليج. وبعد الاحتلال الإسرائيلي لبنانَ، ظهرت تشكيلة مشابهة من المقاومات المحلية المتباينة المشرب والهدف والتي لا يجمع بينها، في الظاهر، سوى شعار تحرير الأراضي المحتلة من الإسرائيليين. أما في الباطن، فكان المشترك الأبرز هو الالتزام بجداول أعمال الأنظمة المسيرة لها. وكل من خرج عن هذا الطريق أو فقد وظيفته في خدمة جهة إقليمية تعرض للقمع والمنع من البقاء في جنة المقاومة، على النحو الذي حصل مع الشيوعيين اللبنانيين في الثمانينات. كان السقوط من سباق المنافسة على السلطة المحلية، يعني حكماً السقوط من قائمة القوى المقاومة.

ولا يزيد ذلك عن بداهة يدركها كل من تعرف إلى آليات السلطة في المنطقة في تلك الفترة. لكن المهم أن نقد المقاومة، بما هي وسيلة لتثقيل النفوذ في الداخل من خلال قتال الاحتلال الخارجي، ظل ضيقاً ومحاصراً. ونجم ذلك عن وضع الأنظمة دفتر الشروط للفئات التي يحق لها الانخراط في المقاومة. آية ذلك، أن فلسطين لم تكن يوماً في عين العرب، باستثناء من صدق وآمن من الفلسطينيين بشعار «القرار الوطني المستقل»، قضية موضوعية مستقلة عن مصالح القوى العربية النافذة. ولا يشذ انضمام إيران بعد 1979 إلى لائحة ممولي المقاومة وداعميها عن هذا التعريف. مقولة الفن للفن لا تصح على «المقاومة للمقاومة».

تثقيل النفوذ الداخلي واستباحة المجتمعات وتحطيم حكم القانون وما شابه ذلك من الممارسات السائدة في العالم العربي، بذريعة الصراع من أجل فلسطين، فرض مستوى متدنياً من المحاكمة الأخلاقية لعوائد العمل المسلح في إطار المقاومة، وحال عملياً دون نقدها على رغم الفشل المتواصل لعسكرة الحركة الفلسطينية في تجارب الأردن ولبنان والانتفاضة الثانية. فارتباط المقاومة بالمصالح السياسية للسلطات المختلفة، المُمثَّلة في حكومات أو في حركات مسلحة ذات أيديولوجيات وولاءات مختلفة، جعل من أي مقاربة نقدية للمقاومة أشبه بالتطاول على مقدس، على اعتبار أن المقاومة، المسلحة والسياسية والمدنية والثقافية، نشاط يفترض به أن يحقق نتائج ملموسة في إطار صراع مع خصم خارجي. وهذه عودة ثانية إلى التصورات ما قبل الحداثية لفكرة المقاومة المرتبطة بالاستعمار والاحتلال. وهنا ينفتح باب عريض لنقاش مستقل لم يجر بعد عندنا: المقاومة بصفتها رد فعل على الاستعمار كنتاج للحداثة، هل يفترض بها أن تكون جزءاً من الحداثة أو مناهضة لها؟ تجربتا المهاتما غاندي في الهند ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا تقولان بانضمام المقاومة إلى الحداثة. التجارب العربية تقول العكس.

تصنيم المقاومة وتقديسها، بهذا المعنى، أخرجاها من نطاق العمل العقلاني المُنَظّم بمعايير السياسة والفائدة التي تجلبها للقضية، وضرورة إعادة النظر في مساراتها عبر النقد والمساءلة عندما يتضاءل المردود العملي للمقاومة، فتكرست السمة المجردة لفكرة المقاومة وظهر لها، مثل غيرها من الكائنات المجردة، كهنة وسدنة وهياكل ومنابر، مهمتهم الأولى إبقاء المقاومة خارج التعاطي الملموس معها بصفتها وسيلة من وسائل قضية عادلة، لا غاية في ذاتها ومن أجل ذاتها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة