تعقيدات ما بعد اجتماع الرياض – إرم نيوز‬‎

تعقيدات ما بعد اجتماع الرياض

تعقيدات ما بعد اجتماع الرياض

أيمن الصفدي

نجح اجتماع الرياض في جمع المعارضة السوريّة وفصائل عسكرية بمعظم أطيافها حول طاولة حوارٍ لأوّل مرة منذ تفجّر الأزمة السوريّة قبل حوالي خمسة أعوام. لكنّ نتائجه عقّدت جهود الحلّ السياسية، وكسرت توافقات مؤتمر فيينا الثاني، الذي أتاح التئامه.

رفضت قرارات المؤتمر توافقات محورية في لقاء فيينا. أصرّت على مغادرة الأسد وزمرته الحكم مع بداية المرحلة الانتقاليّة، في تناقض مع توجّهات فيينا التي نحت إلى تقبّل انتهاء دور الأسد بعد المرحلة الانتقاليّة.

هذا موقفٌ لن تقبل به روسيا وإيران. وحتّى وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري أشار إلى أنّ ثمّة مشكلة في نقطتين في مخرجات اجتماع الرياض. الأرجح أنّ مصير الأسد واحدةٌ منهما، وستكون في صلب النقاش الذي سيجريه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الثلاثاء، ومع وزراء خارجيّة فرنسا وبريطانيا وألمانيا والأردن والسعوديّة وقطر في باريس الإثنين.

لقاء باريس سيكون حاسماً في التعامل مع هذه القضيّة. ذاك أنّ السعوديّة وقطر تدعمان هذا الموقف، وسيكون من المتاح خلال اللقاء استكشاف ما إذا كان قراراً نهائيّاً أم تكتيكاً تبنّى شروط الحدّ الأقصى من أجل تقوية القدرة التفاوضيّة. إذا بان أنّ المعارضة وداعميها الإقليميين مصرّون على خروج الأسد عند بداية المرحلة الانتقاليّة، ستواجه العمليّة السياسيّة عقباتٍ جديدة.

التحدّي الآخر في لقاء الرياض ونتائجه هو إشراك مجموعات مقاتلة لم تتفق كل أطراف فيينا على تصنيفها ”معتدلة“ أم ”إرهابية“. فقد كان مؤتمر فيينا خلص إلى اعتماد تصنيف للمجموعات الإرهابيّة تقبل به كلّ أطرافه. لقاء الرياض انعقد قبل تحقيق هذا التوافق، وأشرك ”أحرار الشام“ و“جيش الإسلام“، اللذين ترى إليهما موسكو وإيران ودول أخرى جماعات إرهابيّة. ستكون تلكما الجماعتان بين أعضاء الهيئة العليا للمعارضة، وربّما في الوفد الذي ستسميه للتفاوض مع نظام الأسد.

لن تقبل طهران بذلك. ولن يكون من السهل إقناع موسكو بدورٍ لهاتين المجموعتين. أمّا الأسد، فقد أعلن أنّه لن يتفاوض مع أيّ وفدٍ يشمل فصائل مقاتلة، إذ يعتبرها جميعها، وليس ”أحرار الشام“ و“جيش الإسلام“ فقط، إرهابية لا يُمكن الحديث معها.

ستكشف اجتماعات باريس غداً ولقاء كيري ببوتين بعد غد جانباً كبيراً من المسار الذي ستأخذه الأحداث بعد اجتماع الرياض. وسيتوقف جزء كبير من هذا المسار على التفاهمات التي يمكن أنْ تصل إليها أميركا مع موسكو في ضوء مقرّرات اجتماع الرياض، وعلى المرونة التي ستتعامل معها الدول الأخرى في المعسكرين الداعم والمناهض للأسد، إزاء الموقف من توقيت رحيله وشروطه.

في تلك الأثناء، ستشهد الجبهة العسكريّة تصعيداً على المدى القصير. وسيزداد هذا التصعيد تدريجيا إذا تعقّدت جهود التوفيق بين مقرّرات اجتماع الرياض وتوافقات فيينا وما بعدها.

روسيا ستستمرّ في حملتها العسكرية، وستعمل على معاقبة تركيا عبر ضرب المجموعات التي تتلقى دعمها، ومن بين هذه ”أحرار الشام“ و“جيش الإسلام“ الممثلتين في الهيئة العليا للمعارضة. تعليمات بوتين لقادته العسكريين أول من أمس بـ“رد فوري وقاس“ على أيّ تهديدٍ لمواقعهم في سوريّة بدت موجّهةً ضدّ تركيا، وتفتح الباب على تصعيدٍ معها. كذلك من المتوقّع أنْ تزيد إيران من تدخّلها العسكريّ لصالح النظام.

في المعسكر المقابل، من المتوقّع أنْ يتبع أي تعثر للجهود السياسية رد سعودي تركي قطري عبر مدّ الفصائل المقاتلة بالمزيد من السلاح. وقد تختار أنقرة أنْ تأخذ المواجهة مع موسكو إلى درجاتٍ أعلى، عبر تزويد جماعاتها في سورية أسلحة قادرة على ضرب الطيران والقوات الروسيّة.

المشهد بعد الرياض، إذن، مفتوحٌ على احتمالاتٍ صعبة. وذاك أمر تدركه الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبيّة، التي تزداد التقاء على اعتبار محاربة ”داعش“ أولوية تتقدّم على رحيل الأسد.

ملامح المستقبل القريب ستتحدّد وفق قدرة واشنطن وموسكو على إيجاد أرضية مشتركة في مقاربة الوضع السوري بعد قرارات اجتماع الرياض، وعلى فرض أولوياتهما على القوى الإقليمية والنظام السوريّ والمعارضة السوريّة، خصوصا الفصائل المقاتلة.

طريق الوصول إلى ذلك التوافق طويلة. لكنّ واشنطن وموسكو ستسيرانها، ذاك أنهما لا تملكان والعالم عنها بديلا لحل المعضلة السورية. وبينما يبحث المجتمعان الدولي والإقليمي عن تسويات تضمن مصالحهما، يستمر السوريون في دفع ثمن قاس للحرب التي باتت حربا عالمية على أرضهم، لا صراعا بين شعب مظلوم وحاكم ظالم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com