المميّزون يُضربون

المميّزون يُضربون

سمير عطا الله

جاء القول على ألسنة الملايين، لكنني شخصيًا أذكره من اثنين: الصحافي الراحل محسن محمد والدكتور بطرس غالي. وكنت كلما التقيت محسن محمد في قصر حكم، أو في مؤتمر رسمي، أو أي مناسبة يتقدمها مسؤول كبير، يشير إلى المسؤول باسما ويخاطبني قائلاً: «أنا مع الحكومة». وكنت كلما التقيت الدكتور بطرس غالي في نيويورك أو بيروت أو لندن أو القاهرة، يسارع إلى الإعراب عن طلب تأييد الصحافة قائلاً: «هي الحكومة شايفة الأمور إزاي؟».
الدكتور لطفي السيد كان انتقاديًا حادًا في رؤيته لعلاقة المصري بحكومته. وكان السيد يعتقد أنه لا وجود لمواطن حر إلا في أمة مستقلة. غير أن الدولة المستقلة تأثرت هي أيضًا بالحكم الاستعماري وأقامت مع المواطن علاقة أقرب إلى الاستبداد، فاعتاد أن يسلّم أموره الخاصة إليها، وأن يرتضي ما ترتضيه له دون نقاش. بل إن المفكر قاسم أمين اعتبر أن القضاء نفسه قد تلوث بفكرة الخضوع إلى الحاكم، ومارس النظر في القانون على أنه قانون الدولة وليس قانون الحق. هذه العلاقة بين المواطن والقانون كانت مختلفة تمامًا في أوروبا، كما كان يرى قاسم أمين. ونلاحظ هذه الاستمرارية في فكر الدكتور جلال أمين هذه الأيام، الذي يمثل خطًا علميًا موضوعيًا في الأكاديميا والصحافة المصرية. وكنت أعتقد أن هذا انطباع شخصي عندي إلى أن طرحت السؤال على عدد من الزملاء والأصدقاء المصريين الذين رأيت أن للدكتور أمين مكانة خاصة لديهم، هي مكانة الأكاديمي المستقل إلى جانب الصحافي المستقل أيضًا.
التقيت في لندن الناشر المصري الكبير إبراهيم المعلم، وحاولت أن أطمئن من خلال الحوار معه إلى حسن قناعاتي فيما يتعلق بكتّاب النشر اليوم. كما حاولت أن أتعرف منه إلى الطالعين منهم. وشعرت بارتياح للاتفاق بوجهة النظر مع رجل عريق في مهنة النشر ليس في الكتب وحدها وإنما بالصحافة اليومية والدورية أيضًا. وقد أحزنني، كما أحزنه من قبل، أنه أوقف إصدار مجلة «وجهات نظر» التي سجلت لنفسها وللصحافة الفكرية العربية، مرحلة بالغة التقدم رغم قصر الحياة. وأذهلني أن السبب وراء التوقف ليس الخسارة المالية كما خيّل إليّ، وإنما المزاج السائد عند الكتّاب بالإحجام عن العطاء، بسبب موجة اليأس والملل التي تعمّ العالم العربي.
ويقول المعلم إن هذا المزاج سائد حتى في الصحافة اليومية عند عدد غير قليل من الكتّاب المميزين. أما هو، كناشر لـ«الشروق»، فلا ييأس من الإلحاح عليهم بالاستمرار في العطاء.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com