ودولة القانون!

ودولة القانون!

سمير عطا الله

ارتبط ذكر البيروقراطية بالكسل والفساد وإعاقة أعمال الناس. واتخذ حزب «الكنبة» سوء السمعة ونفور الأهالي في كل مكان. وقد واجهت مصر الكارثة المستمرة كما واجهت غيرها من كوارث طبيعية وخلقية، بالنكات والأمثال. والويل للشعوب والبلدان الخالية من الصبر وآهات «يطوِّلِك يا روح». وقد تجنب ذوو الكفاءات والمواهب العالية الوظيفة الحكومية، باحثين عن النجاح بدل التأمين، واثقين من بلوغه. والمثل الأميركي يقول «لا يشبه النجاح إلا النجاح». غير أن البيروقراطية ظالمة ومظلومة عبر التاريخ وفي كل البلدان. فالرواتب القليلة، وقلة الامتيازات، وغياب المحفزات، تفضي غالبًا إلى كسل القلوب وتبلّد الأنفس. وتنتقل الكرامة من فوق الطاولة إلى تحتها. ولا يغيب عنا أن بعض البيروقراطيات أنشأت أهم الدول: بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان وسنغافورة. والأخيرة منحت موظفيها، كبارًا أو صغارًا، أعلى الرواتب والمكافآت، وفي المقابل جعلت عقوبات الرشوة والمخالفة في أقصى درجاتها. وبذلك، اختار ذوو الكفاءة الانتساب إلى الحكومة بدل الشركات.
يجب أن نضع دائمًا في الاعتبار أن الدولة هي أهم رب عمل. فماذا يمكن أن تفعل بآلاف الناس إن لم تضمهم تحت جناحها. ليس جميع البشر متفوقين وقادرين على المنافسة، والدولة مسؤولة عن الأكفياء والعاديين معًا. لا يمكن أن تتخيل آلاف المسرَّحين لعدم الكفاءة أو العاطلين لانعدام الفرص. وليس هناك حل أو نصف حل. هناك ثلث حل (على الأكثر) وهو في أن تسمح الدولة لنفسها بالتعاقد مع ذوي الكفاءات والبراعات من خارج الملاك الوظيفي، بنسبة لا تزيد على ثلث القوة العاملة، لكي لا تقع الحكومات في العجز. ويرفق ذلك بتشديد سنغافوري على محاربة ومعاقبة الفساد. فالذي يدفع الرشوة هو أيضًا مواطن وصاحب حقوق. وهو حري بالرعاية مثله مثل الموظف، وتجب حمايته.
مشكلة البيروقراطية ليست بسيطة إطلاقًا. إنها مسؤولة، أو مسببة، للكثير من الخراب الذي نعاني منه. مسؤولة عن التباطؤ والتخلف وغياب، أو عقم، المبادرات التي تكثر وتنمو في القطاع الخاص. والقضاء على الجزء الأكبر من البيروقراطية وتحديث أدائها ونقلها إلى مناخ إنتاجي دائم، ليس صعبًا بقدر ما نظن.
أعود إلى القول إن البيروقراطية تبني أو تخرب. وإذا تأملنا قليلاً في أعاصير الربيع العربي، رأينا مدى ما ألحقته البيروقراطية وعفن الفساد في اهتراء منظومة الدولة؛ إذ تواطأ المرتكب الصغير مع المرتكب الكبير، وازدريا معًا كرامة الناس وحياتهم وحقوقهم. أحداث العراق وسوريا و«نقمة جمال مبارك» والفساد المرعب في لبنان، أدت إلى التفتت والهوة بين الحاكم والمواطن. وفي الماضي كنا نقول بكل بساطة أو بلادة، بين الحاكم والمحكوم. إلى أن ظهرت علينا «دولة القانون» في العراق بنورها وملكها. لكل عصر معجزته.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com