ألفة النهر الأسمر

ألفة النهر الأسمر

سمير عطا الله

تآلف أهل النيل مع حركته المبهرة. صار أهل الضفاف يرون فيه مشهدًا عاديًا، حتى عندما يغضب ويهدر ويقتحم، متناسيًا بوحشية ونكران زمن الألفة مع أصحابه وخلاّنه ولهو الأطفال، الذين يجعلون منه أضخم لعبة على الأرض. أضخم حتى من الفيل وأسرع حتى من الغزال.
الذين يرفضون أن يروه نهرًا عاديًا هم الغرباء، بالذات الغربيون، الذين ما زالوا منذ البعيد يبحثون عن ينابيعه الغامضة ومساره المدهش وخصبه الجميل. يبحثون ولا يصدقون. أول من سافر بحثًا عنه كان هيرودوتس، أبو المؤرخين وأول كتّاب «الريبورتاج»، ذلك الفن الصحافي الذي لا متعة بعده.
لكن هيرودوتس وصحبه اضطروا إلى التوقف في أسوان، إلا أنه سمّى النيل منبع الحضارات، لأن مصر كانت أقدمها. ثم أرسل الإمبراطور الروماني نيرون بعثة لاكتشاف المنابع، لكنها توقفت عند مستنقعات «السود» الرهيبة، في ما هو الآن جنوب السودان. وعند تلك المستنقعات، توقف فيما بعد، المستكشفون الفرس والمصريون واليونانيون. وكان رسامو روما واليونان يصورون «النيل الأب» على شكل «إله» غامض الوجه.
في القرن الأول قبل الميلاد، ادعى تاجر يوناني يدعى ديوجين أنه سافر برًا طوال 25 يومًا في شرق أفريقيا بحثًا عن المنابع. وبعده بمائة عام رسم بطليموس خريطة للنهر بناء على أقواله. وهذه الخريطة اعتمدها الرحالة ريتشارد بورتون بعد 1700 سنة لكي يقوم بمغامرته التي تبقى أشهر مغامرات النهر، الذي لم يطلق عليه أحد لقب «النهر العظيم» كما فعل القذافي مع نهره.
لا يزال النيل يقطع أربعة آلاف ميل في الأودية وبطون الجبال والصحارى من أعماق أفريقيا حتى البحر المتوسط، عابرًا البلدان الكثيرة، قبل أن يلتقي النيل الأبيض في الخرطوم، حيث يعبران معًا حدود السودان إلى مصر. في ذلك الملتقى، الذي كان يسمى ببساطة «الغابة» رأيت النيل أول مرة. رأيته يغيب مع الشمس وعودة الصيادين إلى البر بمراكبهم الصغيرة. ولم أتبين جيدًا حصيلة نهارهم وشباكهم العتيقة. لكنني أدركت أن هذا البحر الوسيع لا يخيب أحدًا من طالبيه. وبعد تلك الرحلة صرت أراه من فوق كباري القاهرة. وألفت المشهد، مثل أهله.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع