بعد تحرير تعز… إشراك «القوة الثالثة» الصامتة

بعد تحرير تعز… إشراك «القوة الثالثة» الصامتة
عاجل.. ضربة مفاجئة للحوثيين في تعز

جورج سمعان

الأزمات المشتعلة في ليبيا واليمن وسورية استهلكت حتى الآن عدداً من المبعوثين الدوليين. ثلاثة لطرابلس واثنان لصنعاء وثلاثة لدمشق. وقد تستنفد جهود عدد آخر إلا إذا نجح المجتمع الدولي في مواجهة الإرهاب من شمال أفريقيا والصحراء الغربية إلى جنوب شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، بالتوازي مع تسويات وفرض حلول. نجحت الحركات الإرهابية في الأيام الأخيرة في الربط بين هذه الأزمات. هزت روسيا وأوروبا بإسقاط الطائرة الروسية في سيناء وهجمات باريس. وسعت إلى إعادة التذكير بوجودها في اليمن عبر الهجوم على مواقع عسكرية في حضرموت. وكذلك فعلت بهجومها على أحد فنادق باماكو غداة دعوة الجزائر إلى مؤتمر دولي لمحاربة «داعش» في ليبيا، حيث ينتشر حوالى خمسة آلاف من عناصره ينافسهم فرع «القاعدة» في دول الصحراء. ولم يعد بإمكان اللاعبين الإقليميين والدوليين إهمال واحدة من هذه الأزمات على حساب الأخرى. لم يعد شعار «نحاربهم هناك بعيداً من أراضينا» حلاً منطقياً. فاضت الساحات المشتعلة بهم فخرجوا إلى «دار» خصومهم! «تعولموا» هم أيضاً. وباتوا يهددون الاقتصاد الدولي برمته وتعطيل الحياة العادية للناس. وهذا ما دفع وسيدفع الأوروبيين والأميركيين وغيرهم إلى إعادة النظر في سياسات وقوانين وإجراءات لم تعهدها مجتمعاتهم وديموقراطياتهم.

يتصدر «داعش» المشهد الدولي. لكنه لم يحجب كلياً صورة «قاعدة» الشمال الأفريقي، أو «قاعدة» شبه الجزيرة العربية، واليمن خصوصاً حيث يريد التنظيم أن يفرض نفسه طرفاً فاعلاً في الساحة. لا يشكل تهديداً ملحاً قادراً على تغيير المعادلات القائمة أو الحسابات التي تتحكم بمجريات الحرب. إلا أنه عامـــل ضغـــط إضـافي لاستعجال الحل السياسي الذي يرعاه مبعوث الأمم المتـــحدة. علماً أن الخوف من تمدده في الجنـــوب برز منذ اليوم الأول لعمليات «عاصفة الحزم». بدا كأنه يسير خلفها ليملأ الفراغ. علماً أن وضع هؤلاء الجهاديين لن يكون عصياً على الاحتواء أو الحل. ففي اليمن ثلاث «قواعد» لا تنظيم واحد متماسك تحت إمرة واحدة، على رغم تمركزه في بعض أحــياء عدن، وفـــي المكــلا كبرى مدن حضرموت وسيـــئون ونواح أخرى. هناك «قاعدة» الرئيــس السابق علي عبدالله صالح الذي عرف كيف يستغل عدداً من العناصر المتطرفة لاستدراج مساعدات من الولايات المتحدة ودول الخليج تحت ذريعة محاربة الإرهــاب والمتطرفيــن. وهناك «قاعدة» علي محسن الأحمر والشيخ عبدالمـــجيد الزنـــداني. و«القاعدة» التي تشكل جزءاً من «المقاومة الجنوبـــية». وأخـــيراً «قاعدة» أسامة بن لادن وخليفته أيمن الظواهري. وأهل المكلا يتذكرون جيداً أن حوالى 800 عنصر من التنظيم دخلوا مدينتهم بيسر وسهولة وبأسلحة خفيفة ومتوسطة لأن قوات الجيش وقوامها حوالى خمسة عشر ألف جندي لم تعترضهم، بل اعترضت لاحقاً الهجوم الذي شنته قبائل مأرب عندما تقدمت لطردهم. وعندما تستعيد الدولة عافيتها، يمكن القبائل أن تستعيد القسم الأكبر من أبنائها الذين التحقوا بهذه «القاعدة» أو تلك. ولن يكون ذلك سهلاً وبلا كلفة. تجب إعادة استيعاب هؤلاء وتوفير وظائف لهم ومساعدتهم في إعالة عائلاتهم، في إطار خطة طموحة لإعادة إعمار البلاد وتحريك عجلة الاقتصاد ومشاريع التنمية.

لقاء جنيف ليس رهناً بالمحادثات التي تجرى في مسقط فحسب. هو رهن مسرح العمليات. تقدم المقاومة وقوات الرئيس عبد ربه منصور هادي على الأرض يعزز موقف الحكومة الشرعية في التفاوض المتوقع. ويساعدها على فرض رؤيتها للحل، وآليات تنفيذ القرار الدولي الرقم 2216. ولعل معركة تحرير تعز ستكون إيذاناً ببدء الحوار والتفاوض. أو لعلها ستعجل في إنضاج التسوية. لم يكن كافياً حتى الآن إيحاء الرئيس السابق بالافتراق أو الابتعاد من عبدالملك الحوثي. لقد أعلن استعداده للتعاطي إيجابياً مع القرار الدولي. وناشد الحوثيين إخلاء المدن والثكنات والاعتراف بشرعية الرئيس المنتخب. لكنه سرعان ما عاد إلى المناورة. ورفض الاعتراف بشرعية خلفه، فضلاً عن أنه لا يزال يقاتل إلى جانب «أنصار الله» في معظم الجبهات. وفعل الحوثيون الشيء نفسه. أعلنوا قبولهم الإرادة الدولية بعد خسارتهم عدن ومواقع كثيرة بعدما كانوا رفضوا قبل ذلك التعامل مع قرار مجلس الأمن. ويدرك التحالف الدولي أن هذين الطرفين يسعيان في الدرجة الأولى إلى وقف للنار لاستعادة ترتيب صفوفهما إثر تراجعهما من معظم محافظات الجنوب.

لا تسوية سياسية إذاً قبل تحقيق تقدم ميداني لقوى الشرعية ومناصريها يبدل كل الحسابات ويقرب من تحقيق نصر كامل، على غرار ما هلل مسؤولون إيرانيون عندما اندفعت الحركة الحوثية إلى اجتياح معظم محافظات البلاد وحتى شواطئ عدن وباب المندب. لن يسمح التحالف العربي بخروج اليمن من عباءة دول مجلس التعاون. لن يقبل بأقل من ضمان بقاء هذا البلد جزءاً من الفضاء الأمني لشبه الجزيرة العربية وبحر العرب والبحر الأحمر، وإن لم يكن جزءاً من هذه المنظومة الإقليمية. لذلك، لن ترى أي تسوية النور من دون موافقة أطراف التحالف العربي. ولا تسوية من دون جلوس اليمنيين جميعهم إلى الطاولة. قد لا يكون كافياً تمثيل الحكومة والانقلابيين. ربما هناك حاجة في النهاية إلى طرف يمني ثالث يحشر الحوثيين ويدفعهم إلى إعلان استعدادهم الجدي لتنفيذ القرار الدولي كوحدة متكاملة. الأمر الذي يسمح لحكومة هادي بالتفاوض في سبل هذا التنفيذ وآلياته بدل ربط نفسها بأولوية تنفيذ الانقــلابيين مقتضيات القرار، إذ إن هذه الأولوية إذا تحققت لا يعود هناك أي معنى للتفاوض أو الحوار. ولا يبقى أمام الانقلابيين سوى تسليمهم بهزيمة كاملة. نتيجة كهذه لا يمكن أن تنتج تسوية مقبولة ومرضية لجميع المعنيين بالأزمة، محليين وخارجيين.

يدرك أركان التحالف أن تغول الحوثيين وشركائهم في الاستيلاء على البلاد دفعهم إلى استعجال إطلاق «عاصفة الحزم». لم يترك الانقلابيون وقتاً أمام الســـعودية وشركائها لبناء تحالف على الأرض. تـــماماً كما كانت ولا تزال حال التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في الحرب على «الدولة الإسلامية في العراق وسورية». المشكلة هي في غياب قـــوى على الأرض تواكب الغارات الجـــوية. فالــعلاقة التاريخية بين الرياض وعدد واسع من شيوخ القبائل لم تكن كافية. والدليل أن العشائر لم تحم آل الأحمر عندما تقدم الحوثيون نحو معاقلهم في محافظة عمران التي فتح سقوطها الطريق إلى صنعاء. هؤلاء الشيوخ استأثروا بالمساعدات الخليجية ولم يخلفوا لمواطنيهم إلا… النزر القليل.

ويدرك أركان التحالف أيضاً أن عليهم ألا يكتفوا بإرغام الانقلابيين على الجلوس إلى الطاولة والقبول بتنفيذ بنود القرار الدولي 2216. عليهم البحث عن تجديد ذهنية الحكم الذي خلف الرئيس علي صالح. فمع خلفه لم يتغير شيء… وإلا لِمَ عليهم أن يصرفوا وقتاً على إعادة بناء ألوية عسكرية من فلول ما بقي من المؤسسة ومن أبناء القبائل؟ تأخر هادي في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية. كان عليه منذ البداية الإفادة من زخم المبادرة الخليجية. كان عليه أن يتوجه إلى هيئة الأركان لاحتضان المؤسسة العسكرية، خصوصاً الضباط من ذوي الرتب المتوسطة. فهؤلاء لا يملكون حولاً وسنداً، ولا خيار لهم سوى التمسك بالدولة والولاء لها. قد وجدوا أنفسهم فجأة بلا غطاء شرعي فوقف جلهم على الحياد. في حين حافظ قادة الحرس الجمهوري وباقي الفرق والألوية على ولاءاتهم السابقة. أكثر من 90 في المئة منهم يدينون بالولاء للرئيس السابق الذي احتفظ حزبه، استناداً إلى بنود التسوية، بنصف أعضاء الحكومة، فضلاً عن غالبية أعضاء البرلمان، ومواقع القرار الأولى في المحافظات والمجالس المحلية. وهذا ما سهل على الرئيس صالح لاحقاً ضرب المبادرة الخليجية. ركب موجة الحوثيين. وفتح أمامهم الطريق إلى ثكنات وألوية ومواقع عسكرية وأسلحة وأعتدة حيث أمكن، وإلى «القاعدة»، «قاعدته»، حيث تعذر انتشار «أنصار الله». وساهم تعثر حكومة محمد سالم باسندوه وقصر يدها عن تلبية حاجات المواطنين في تأجيج الغضب الشعبي الذي استغله عبدالملك الحوثي، ومن خلفه إيران التي بادرت إلى ملء الفراغ. تفككت الدولة وهياكلها التي كان صالح أصلاً يديرها بالهاتف بعدما ربطها بإدارته الشخصية. وكان عمل على ضرب العصبية القبلية طوال ثلاثة عقود.

وهكذا استمرت النخب نفسها في عهد الخلف، وكذلك السياسات. لذلك، لا بد للتحالف من التوجه نحو الأكثرية الصامتة، أو القوة الثالثة التي لا تقيم اعتباراً للحوثيين ومبدئيتهم وثباتهم العقائدي. فمعظم هؤلاء كانت صور صدام حسين تتصدر مجالسهم. وقد أثبتوا في غمرة الأحداث الأخيرة أن لا علاقة لهم بأصول الحكم أو الإدارة. كل ما فعلوا هو حشر مناصريهم ومحازبيهم في الإدارات والمؤسسات. وساهم خصومهم في تكتيل قوى زيدية ودفعها مرغمة إلى صفهم، هي التي لم تقم لهم أي وزن في السابق. أخطأ هؤلاء الخصوم في خوض حملة منظمة على الهاشميين عموماً، على رغم أن هــــؤلاء ناشطون في صفوف كل الأحزاب والقوى السياسية، وبينهم مثقفون ورجال دولة ورجال أعمال، ولا شيء يربطهم بـ «أنصار الله». على التحالف الذي يواصل حملته العسكرية ألا يهمل تصحيح كثير من أخطاء أهل الحكم اليمني الحالي. عليه الالتفات إلى هذه الأكثرية الصامتة التي لا يروقها استمرار الحرب بمقدار ما تشعر بالغضب من الحركة الحوثية وارتباطاتها الخارجية وعبثيتها. وحدها هذه القوى صمام الأمان للاستقرار والعلاقات الوثيقة مع دول الجوار حفاظاً على مصالحها الاقتصادية أولاً قبل العلاقات الاجتماعية التي تربطها بكل دول الخليج.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع