الجهر

الجهر

سمير عطا الله

ضربت «داعش» في ثلاثة أمكنة خلال أقل من أسبوع. القاسم المشترك بين الثلاثة كان الاستهداف الأعمى للمدنيين: مسلمون في الضاحية الجنوبية من بيروت، روس في طائرة شرم الشيخ، مختلطون من 19 جنسية وعدة أديان في باريس.
الضربات الثلاث في ذروة التجمّع المدني، في الطائرة حيث لا مفر، في الضاحية الجنوبية عند ساحة الازدحام، وفي باريس ضمن قاعة مُغلقة.
في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 تعمّدت «القاعدة» بدء ساعة الدوام في برجي التجارة، كي يحصد الجدوم أكبر عدد من القتلى. قليلة هجماتها التي استهدفت مواقع عسكرية. إذا كانت «داعش» قد ولدت من رحم «القاعدة» فقد ورثت خصائصها. لكن الفارق الجوهري بين الأصل والفرع هو تقصّد الجهر في القتل وتعمّد التلذذ في الجريمة، والسعي إلى الحد الأقصى من السادية. كالقول إن الخطة كانت لإسقاط طائرة غربية، ثم عدلت ففجرتْ بدل ذلك طائرة روسية، كأنما المسافرون مجرد رسالة بريدية المهم الوحيد فيها هو التوقيت. وبلغت ذروة الازدراء للنفس البشرية عندما وزعت «داعش» صورة القنبلة التي قالت إنها «هُرّبت» إلى الطائرة في غفلة عن حرس المطار، لأنها تريد إعفاء الشريك المحتمل.
كانت «القاعدة» بعد كل عملية ترسل شريطًا مسجلاً وخطابًا من القيادة العليا في إدارة القتل. «داعش» تتابع عملها كأنما تداعب مشاعر الضحايا وكرامة دولهم، من روسيا إلى فرنسا مرورًا بمصر. والمؤسف أن الحكومة المصرية تصرفت بارتباك لا معنى له، أمام هول الجريمة. فقد ظلت تنكر وتنفي، فيما الضحية والقاتل يؤكدان. وأخيرًا قال رئيس الوزراء إن حكومته «ستأخذ نتائج التحقيقات الروسية في الاعتبار»، بعدما كانت أميركا وبريطانيا قد سبقتا روسيا إلى الحديث عن قنبلة. إن استبعاد فرضية التفجير كليًا حتى بعد التأكيد الروسي ليس بسياسة لائقة، مهما كان تأثر مصر بحجم الضربة التي وجهت إلى سمعتها واقتصادها. الإنكار ليس علاجًا لشيء، بل العلاج هو التحدي. والتحدي هنا أصبح عالميًا ولا يدري أحد كم يطول. وقد تصرفت فرنسا فورًا على أنها دولة مستهدفة ومنكوبة، وذهبت إلى مجلس الأمن تطلب تدويل المواجهة. وربما كان من الأنسب أن تدخل مصر في شراكة الضحية مع باريس ومع روسيا بدل الاستمرار في «التحقيقات» الخاصة بها. عندما تكون المسألة في هذا الحجم وهذا الامتداد، لا يعود دور «المفتش» مهمًا. لأنه بذلك يقع ضحية القاتل مرتين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع