نحن شركاؤهم في الجريمة

نحن شركاؤهم في الجريمة

زهير قصيباتي

كان الرئيس الأميركي باراك أوباما منهمكاً، بعد تحرير النظام السوري من ترسانته الكيماوية، باللهاث وراء تسجيل إنجاز الاتفاق النووي مع إيران، بوصفه «ضمانة» لعالم أكثر أمناً، ولأمن إسرائيل… فيما استعرت حملات الإبادة في سورية. كان أوباما منشغلاً بمعالجة الحصبة في أميركا، والنظام السوري يحصد يومياً عشرات من أرواح المدنيين الأبرياء الذين لم يفارقوا منازلهم، ولم يحملوا السلاح في صفوف المعارضين.

كان سيد البيت الأبيض شديد الحرص على التنديد بنظام دمشق، لكنه أكثر حرصاً على النأي بالأميركيين وجنودهم من ساحات القتل بعد «الربيع العربي». شجّع بتردده وضعفه، تمادي طهران وموسكو في الدفاع عن النظام السوري بكل الوسائل القتالية وبـ «التطهير» والتشريد، بذريعة «تنظيف» سورية من «الإرهابيين».

حتى في مواجهة «داعش» وفظائعه، اكتفى البيت الأبيض بالحرب من الفضاء، فتمادى التنظيم، إلى أن انكشف رهان واشنطن على خطوات أوروبية «أكثر جرأة»… لاستئصال التنظيم. وقد يكون جلياً عدم اكتراث أوباما بتوريط الأوروبيين في القتال على الأرض السورية، بعد مجزرة باريس، ليمحو فضيحة تدريب إدارته 50 مقاتلاً من المعارضة السورية على مدى سنة. وبحساب بسيط يتبين أن نظام دمشق المطمئن وحلفاءه إلى العجز الأميركي الفاضح عن وقف المأساة السورية، وإلى الحماسة الروسية إلى تلقين أميركا والغرب عموماً درس الانتقام بعد أوكرانيا… انتقل الى مرحلة قضم مناطق المعارضة.

أما الاتكاء على تبدُّل مقتضيات المصالح الروسية لاحقاً، للرهان على إمكان تخلُّص موسكو من حماية مصير الرئيس بشار الأسد، فيثبت يوماً بعد يوم أنه ما زال مبكراً، فيما طهران لا تتردد في الدفاع علناً عن «حق» الأسد في الترشُّح مجدداً للانتخابات. بحساب بسيط أيضاً، يتضح أن روسيا وإيران تحجّمان المأساة السورية إلى عاملين: إصلاحات سياسية مع معارضة «وطنية»، ومعارضة لا بد أن تقاتل مع النظام لحمايته من «الإرهابيين».

ولكن، ما الذي تبدّل بعد مجزرة باريس، وجرّ «داعش» فرنسا إلى حال الطوارئ؟ ما تبدّل هو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كسب الرهان على أولوية الحرب على «داعش»، بدلاً من حتمية تغيير رأس السلطة في دمشق. كسب تحالفاً مع الرئيس فرنسوا هولاند الذي بات معه في خندق الاقتصاص من «دولة» أبي بكر البغدادي. الأول أدمت هيبته كارثة تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء، والثاني اهتز كل الأمن في بلاده بعدما نقلت «داعش» المعركة إلى أرضها.

وقد يكون بين العرب مَنْ يتساءل الآن: هل يستحق تبديل الأسد التضحية بأرواح ألوف أخرى من السوريين، من دون أن يتبادر إلى ذهنه حجم الثمن المتوقّع لتثبيت سلطة متجدّدة لنظامه… ولو قاتل معه بعض المعارضين!؟

أبعد من ذلك، وإن كانت مجزرة باريس أو 11 أيلول (سبتمبر) الفرنسي كشف حجم الكارثة المتجددة مع أجيال البغدادي و «دولة الخلافة» التي تجر الجميع سريعاً إلى صدام مريع بين الحضارات والثقافات، ألم يكن حرياً بالعرب والمسلمين أن ينبشوا جذور التطرُّف والتعصُّب والجنون، على مدى سنوات طويلة بعد 11 ايلول 2001؟

لا يعفيهم جميعاً من هذه المهمة، تصنيف مبسّط لاختراقات في مجتمعات لطالما تردّد أنها لم تشهد استقراراً إلا في مراحل جمهوريات الاستبداد.

وهذه جمهوريات تواطأنا جميعاً في تجديد شبابها، إذ ركبنا ردحاً أمواج الاتجار بشعارات فلسطين، وتباهينا طويلاً بالدفاع عن حقوق الفقراء من دون أن نبني مصنعاً يحمي رغيفهم وكراماتهم… شيّدنا عشرات بل مئات الجامعات على امتداد خريطتنا البائسة، حتى إذا حلّ نجم أسامة بن لادن أرغمنا ألوف الخريجين على تسخير علمهم وكفاءاتهم لتوسيع مدارس «القاعدة»، وزرع معسكرات الخراب.

هي محنة العقل العربي الذي ما زال تائهاً بين أمواج الجهل، واقتناص فرصة للانتقام من الفقر بالانتحار. يحدث كل ذلك، ومعه اتجار منتعش بالدين وفِرَقه.

نحن شركاء في الجريمة في سورية، منذ تواطأ كثيرون في زرع «حدائق البعث» في كل منزل، طمعاً بحماية النظام للتجارة «النظيفة»… وتواطأوا في تدريب الابن على التجسس لكشف «إخلاص» أبيه. لو انتفض السوريون قبل عشرين أو ثلاثين سنة، ألم يكن ذلك أجدى في إنقاذ أرواح عشرات الألوف؟ لو هبّ الليبيون على جمهورية العقيد قبل عقدين أو أكثر، هل كانت المسافة بين طرابلس وبنغازي لتصبح مثلما هي اليوم، أطول بكثير من المسافة بين القطبين؟

نحن شركاء في الجريمة؟ لعلنا أكثر جُبناً من أوباما.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة