حادث مركز التدريب في الأردن: فتّش عن العنف والكراهيّة

حادث مركز التدريب في الأردن: فتّش عن العنف والكراهيّة

موسى برهومة

تتزايد الاحتمالات بأن يكون الحادث الذي وقع في مركز تدريب للشرطة في الأردن وراح ضحيته أميركيان وأردنيان ومواطن من جنوب أفريقيا، غيرَ منبتّ الصلة بالاحتقانات السياسية والدينية والاستقطابات المذهبيّة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط.

وربما يكون منفّذ العمليّة، وهو نقيب في الشرطة الأردنيّة، غير ملتزم تنظيمياً بتيارات جهادية سلفية أو إرهابية، لكنّه غارق، كشأن السواد الأعظم من بني قومه، في لجّة العنف والعنف المضاد، ويتغذّى من ماكينة تبثّ الكراهية من خلال مختلف الوسائل الإعلامية ومنصّات التواصل الاجتماعي، ما يعني، في الاستنتاج الأوّلي، أن النقيب أنور أبو زيد قاتلٌ وضحية في الوقت نفسه.

وكان تقرير لـ «رويترز» نقل رسالة بثّها أبو زيد لأصدقائه على تطبيق «واتس آب» يقول فيها: «حينما نجهز متاعاً لسفر… نخاف أن ننسى شيئاً ولو يسيراً.. وكلما كانت مدة السفر أطول كان الحرص أشد فما بالك بإقامة … إما جنة وإما نار».

وما من ريّب أن هذه اللغة شائعة في أوساط التنظيمات الدينيّة المتشدّدة، وتعدّ لازمة تتكرر ضمن أدبيّات الجماعات الجهادية. وإذا عطفنا ذلك على ما عُرف عن مرتكب الحادث من التزام دينيّ بيّن وحرص، كما قال أقرباؤه، على أداء صلاة الفجر في المسجد، فإن من الممكن أن يصطبع الحادث بخلفيّات دينية، لا سيما أن الأخبار التي تتوالى تشير إلى أن النقيب أبو زيد هرّب أسلحة الاعتداء بسيارته إلى داخل المعسكر، ولما نفّذ عمليته راح يهتف «الله أكبر»، وكان يمكن أن يحصد ضحايا أخرى ببندقيته الرشاشة ومسدسيْه، لولا أن رصاصة أصابته في الرأس، وحالت دون ذلك.

ولعلّ استهداف الأميركييْن، وهما مدرّبان سابقان في الجيش الأميركي، له دلالة، ولا يتوقع أن يكون ذلك خارج منطقة القصد، ما يجعل «ماكينة» التأويل تربط بين ما تفعله الولايات المتحدة، وما تقدّمه من دعم لإسرائيل، وما ترتكبه من مظالم هنا وهناك تستهدف العرب والمسلمين، وهو ما يهيّء الذرائع الخصبة للحادثة.

وما يدفع إلى ربط الحادث بخلفيات سياسية ودينية هو تنامي حالة التطرف بأشكالها المتعدّدة داخل أوساط الأردنيين، وهم في غالبيتهم متدينون، حتى ولو على مستوى التديّن الشعبي. وبين هؤلاء، ومنهم نوّاب في البرلمان، من ينظر إلى «داعش» بعين العطف باعتبارها رأس حربة المشروع السنّي الذي يضطلع بمهمة مقدّسة لجهة رفع «المظلوميّة» عن هذه الفئة التي تُستهدف في العراق وسورية واليمن والبحرين ولبنان، وسواها.

ولأنّ الـــتأثيرات الدينية تتعـــاظم وسط الهزائم، فإن اللواذ بالدين يصبح عاصماً من حالة التمزّق واليأس واللاجدوى. إن الدين يقوم ها هنا بفعل «الأفيون»، فيســـتقيل العـــقل موقتاً، أو طويلاً، مخلياً السبيل أمام يقظة الغرائز واستبدادها!

ولعل ما أقدم عليه النقيب أبو زيد من اعتداء جرى، على ما يبدو، الإعداد له مسبقاً، يثير المخاوف باتجاه تكرار هذا الفعل الذي يحيل إلى حادث قديم سابق حينما أطلق الجندي أحمد الدقامسة، الذي كان يخدم في حراسة الحدود، النّار على مجموعة فتيات إسرائيليات، فقتل سبعاً منهنّ بسبب استهزائهنّ به أثناء صلاته، قرب منطقة الباقورة شرق نهر الأردن، في 12 آذار (مارس) 1997.

بيْد أن المناقبيّة التي يتحلى بها العسكريّون الأردنيّون تجعل من هاتين الحادثتين استثناءً، ما يوقف التكهنات بأن تفتح الحادثة الأخيرة البابَ أمام عدوى استهداف جنود أميركيين أو سواهم. لكنّ ما يتعيّن التنبّه له هو ضرورة مكافحة أسباب التطّرف عبر ورشة واسعة وممتدة تشرف عليها الدولة بمشاركة الأطياف الاجتماعية والأكاديمية والثقافية كافة، لحماية المستقبل الذي لا يبدو التفكير الاستراتيجي الأردني مهجوساً به!!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com