«القبيلية» و«الخضيرة»!

«القبيلية» و«الخضيرة»!

نجم عبد الكريم

منذ ثلاثة عقود التقيته في بيته بمدينة الرياض، وكان الصديق الدكتور عبدالرحمن الضويحي، الذي سبق أن زاملته في أميركا، حاضراً في تلك الجلسة، وكان الحوار منصباً حول عدم اهتمام الشباب بالأدب الجاد وانصرافهم نحو وسائل الإعلام كالإذاعة، والتلفزيون، والصحف السيارة،
فقلت للأستاذ حمد الجاسر: لعل هذه الفرصة لها جدوى لو أنك أتحت لي مجالاً للتحاور معك عن مسيرتك الثقافية، فرحّب الرجل بالفكرة.
• لك تجربة في التدريس…
– هذا صحيح… أنتم تعرفون أن ”ينبع“ عبارة عن ميناء يطل على البحر، وأنا أتيت إلى هذه المدينة، وفي صبيحة اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة التي عُينت فيها مدرساً، فقال لي المدير: إن طلبة السنة الثالثة الابتدائية عندهم دروس في المحفوظات، والمحفوظات كما هي معروفة عبارة عن قطع مختارة من الأدب شعراً، ونثراً، وكانت القطعة المختارة يوم ذاك قصيدة أبي العلاء المعري المعروفة:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل … عفاف وإقدام وحزم ونائل
أتيت إلى الطلاب فقالوا لي: نحب أستاذ أن تشرح لنا القصيدة، فشرعت في الشرح، وقلت في أثناء ذلك: ”ويُثقل رضوى دونما أنا حاملُ“… ورضوى جبل عظيم سهل المرتقى قريب من المدينة ترقاه الإبل، فقال لي الطلاب بصوت واحد: لا… لا… يا أستاذ -كانت النافذة مفتوحة في الفصل- وإذا بالطلاب جميعاً يقولون لي وهم ينظرون من خلال النافذة: انظر إلى هذا الجبل الأسود الشامخ أمامك… إنه هو جبل ”رضوى“ وليس قريباً من المدينة.
فقلت في نفسي: لا خير في أستاذ يكون طلابه أعلم منه بما سيلقيه عليهم في درسه الأول، واستفدت شيئاً آخر: ان ما في الكتب ليس صحيحاً من كل وجه، لأنني هكذا تعلمت، وهكذا حفظت، وهو موجود في الكتب أن ”رضوى“ قريب من المدينة، وأنه سهل، وأن الإبل ترقاه، فاتجهت بعد هذه الحادثة إلى التعمق في معرفة المواضيع التي وردت في الشعر العربي القديم، ووجدت أن دراسة هذا النوع من العلم دراسة ممتعة، واكتشفت أن الإنسان عندما يريد أن يبحث مثلاً عن ”رضوى“ في مختلف المعاجم، يجد أشياء طريفة من ناحية التاريخ، فـ“رضوى“ عند الشيعة الجبل الذي اختفى فيه الإمام المنتظر!… لذلك ذكره كثير في شعره، و“رضوى“ وردت في الحديث أنها من جبال الجنة.
وعندما نطلع على بداية معلقة زهير بن أبي سلمى نجد أن بها الكثير من الأماكن قد ذُكرت، فهو يقول:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم … بحومانة الدراج فالمتثلم
ودرٌ لها بالرقمتين كأنها … مراجيع وشمٍ في نواشر معصم
فهو يذكر هنا ”الدراج“ و“المتثلم“ و“الرقمتين“… وهناك ”السوبان“… وأيضاً ”وادي الرس“… إلخ.
• هل اتخذت من ذكر الأماكن في الشعر العربي منطلقاً لبعض دراساتك في الجغرافيا؟!
– نعم… ووجدت أن الدراسة في هذا الموضوع مهمة جداً، لأنه يربط حاضر الأمة بماضيها.
• إلى أين قادتك البحوث في مثل هذه الأمور؟
– قادتني إلى التأليف، ألفت عدة كتب بعدما قمت بزيارات كثيرة في داخل الجزيرة كان من نتيجتها أن ألفت: بلاد ينبع، مشاهد وانطباعات، مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ، في شمال غرب الجزيرة، غامد وزهران!!
• لكن القارئ المتتبع لإنتاجك يكتشف إلى جانب اهتماماتك باللغة في مجلة (العرب) التي تصدرها منذ سنوات، أنك أوليت اهتماماً كبيراً لدراسة الأنساب؟
– نعم… هذا صحيح… لقد ألفت ثلاثة كتب: جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد، وكتاب دراسة في أصول الأنساب وهو موضوع شائك في بلادنا.
• كيف؟
– لأن في بلادنا طبقتين من الناس، طبقة يقال لها ”القبيلية“، وأخرى هي ”الخضيرة“، وهاتان الطبقتان لا تتزاوجان، وقد يتزوج القبيلي خضيرية، ولكنه لا يُزوج خضيرياً!
• إذاً أين أكرمكم عند الله أتقاكم؟
– في الحقيقة هذه الأمور لا يقرها الدين، ولا العرف الاجتماعي، وأنا في كتابي الأخير درست الأنساب على هذا الأساس، وتوصلت إلى شيء خطير جداً هو أن الأنساب لا تقوم على أساس علمي، إنما على أشياء متوارثة ومتناقلة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com