الموقف أم الثقافة؟

الموقف أم الثقافة؟

سمير عطا الله

كان عباس محمود العقاد عملاق كتاب مصر في حقبة كثر فيها العمالقة في جميع الآفاق.

تأثر به كثيرون وغار منهم كثيرون٬ بينهم العملاق الآخر٬ طه حسين٬ الذي عاد فاعتذر إليه.

وأحبه كثيرون٬ وأعلن كثيرون بافتخار تتلمذهم عليه، وكان بين هؤلاء أستاذ الفلسفة أنيس منصور٬ ودكتور الفلسفة لويس عوض.

ورغم تحفظه ومنهجيته٬ ذهب عوض إلى الإعلان أن ”العقاد كان أول مؤثر ضخم في حياتي الفكرية والأدبية، وكنت مفتوًنا به منذ صباي بسبب إيمانه المطلق بالحركة الوطنية والدستورية بقيادة الوفد٬ وتحت زعامة سعد زغلول٬ ثم مصطفى النحاس٬ أي بسبب عدائه الذي لا يلين للاحتلال البريطاني“.

إذ نتأمل المرحلة الآن٬ نكتشف ظاهرة فريدة٬ وهي أن العقاد لم يكن كاتب الُنخبة٬ بل كاتب الناس والشعب. وطه حسين٬ وتوفيق الحكيم٬ ونجيب محفوظ٬ وخالد محمد خالد٬ ومصطفى لطفي المنفلوطي٬ ومحمود تيمور٬ ويحيى حقي٬ لم يكونوا كّتاب النخبة٬ بل كانوا كّتاب الجميع. أي إنه كانت في مصر طبقة رائعة من القراء كما كان فيها نخبة رائعة من الكّتاب. ومن دون أن يقصدوا٬ أو يتقصدوا٬ تحول أولئك العمالقة إلى أساتذة ومعلّمين. فهل كان العقاد يدري أن صبياً في التاسعة يدعى لويس عوض٬ سوف يعلن ذات يوم أنه تلميذه؟

كتب قارئ عزيز إلى «بريد الشرق الأوسط» مرة معلقاً على إحدى الزوايا: «الموقف أهم من الثقافة»، حقاً. واعتذر. وقد سحر العقاد المصريين ليس فقط بثقافته بل أيًضا بمواقفه النبيلة.

وصحيح أن سعد زغلول «أبو الأمة» و«حبيب مصر»٬ لكن العقاد كان بين الذين أوصلوا وهجه إلى الناس٬ واعتبر ركناً من أركان زعامته٬ فلما اختلف معه٬ تخلّى عنه كثيرون٬ معتبرين ذلك شططاً سياسياً ووطنياً.

”الموقف أهم من الثقافة“ أحيانا كثيرة أقرأ لكاتب لا أتفق معه في الرأي إذا كان مجلياً. وهذه موهبة عظيمة. وبعد وقت طويل اكتشفت أن السبب الأساسي في الجاذب هو الجهد والخلق.

أخذتني سنوات طويلة لكي أقرأ جان جينيه٬ بسبب سيرته. وسنوات أطول لكي أقرأ هنري ميللر٬ الذي أهديت أحد كتبه وأنا بعد في الخامسة عشرة من العمر، وقرأت سومرست موم لأنه لم يكن جائزاً لي ألاّ أقرأه.

«الموقف أهم من الثقافة»، وإذا اجتمعا كان ذلك مدهشاً، خرجت حملة كبرى على لويس عوض في الثمانينات٬ شككت خصوصاً في مواقفه٬ لأن الشك في ثقافته مستحيل. غير أنها كانت حملة جائرة ومبتذلة٬ خصوصاً في الجانب اللبناني منها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com