من السعودية إلى البرازيل

من السعودية إلى البرازيل

سلمان الدوسري

لو بحثت الدول العربية عن قوى دولية صاعدة تتوافق معها في قضاياها الرئيسية، فلن تجد قوى تفعلها كما فعلتها الدول اللاتينية في القمة العربية اللاتينية التي اختتمت أمس؛ بدءًا من قضية العرب الأولى، فلسطين، بتسمية الأشياء بأسمائها، مرورًا بإدانة التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، والتأكيد على الموقف من الشرعية اليمنية وقرار مجلس الأمن «2216»، وانتهاءً بالوصول لحل سياسي للأزمة السورية، ناهيك بتفاهم لإيجاد استراتيجيات طويلة المدى لاستقرار أسواق وأسعار النفط العالمية، وهو ما يشكل دعمًا شاملاً للموقف العربي بتوحيد الرؤى في القضايا السياسية الكبرى التي تعاني منها المنطقة.

ليس سرًا أن مرحلة تبعية دول العالم لهذا القطب أو ذاك ولّت، وتحولت الدول الرئيسية في العالم إلى مرحلة جديدة من العلاقات الدولية القائمة على إيجاد مزيد من التحالفات، مع الاستمرار في تحالفاتها التقليدية التي بكل تأكيد لم تعد وحدها تتحكم في مصير قضايا المنطقة. لذا، فإن تلاقي مصالح دول رئيسية مثل السعودية ومصر من جهة، والبرازيل والأرجنتين وفنزويلا من جهة أخرى، يشكل نقلة نوعية في تعزيز تلك التحالفات التي تنعكس إيجابا على مصالح الدول ذاتها، ولا تربطها بأطراف دولية كبرى مهما كان حجم تأثيرها وقوتها، وهو ما أكده العاهل السعودي في كلمته الافتتاحية للقمة بقوله: «إننا نشعر بالارتياح للتوافق والتقارب بين وجهات نظرنا تجاه الكثير من القضايا والمسائل الدولية، ونشيد بالمواقف الإيجابية لدول أميركا الجنوبية الصديقة المؤيدة للقضايا العربية، وبخاصة القضية الفلسطينية»، مضيفا: «إننا نتطلع إلى تنسيق مواقفنا تجاه القضايا المطروحة على الساحة الدولية، ومكافحة الإرهاب والتطرف، ونشر ثقافة السلام والحوار».
يمكن القول إن العنوان الرئيسي لقمة الرياض تمثل في تكثيف حجم التعاون العربي اللاتيني وتوسيعه بما يخدم مصالح الجانبين، وهو ما كان واضحًا في إعلان الرياض الذي تم إقراره بالإجماع دون أي تحفظات من أي نوع، وهو ما يعد نادرًا في مثل هذه القمم الجامعة بين 34 دولة مختلفة التوجهات والرؤى والثقافات، مما يعطي مؤشرًا إيجابيًا على تخطي القمة في نسختها الرابعة معضلة تقليدية التعاون بين منطقتين تبتعدان حوالي 6 آلاف كيلومتر، وتتويج 10 سنوات من التقارب بين الجانبين، والذي من الممكن أن يكون له مزيد من التأثير على المستوى الدولي في ملفات شائكة كملف إصلاح مجلس الأمن الدولي باعتبار الدول العربية والدول اللاتينية تتفق بشكل كبير على ضرورة المضي في إصلاح هذا المجلس الأممي الذي أصبح عنصرًا معقدًا للقضايا الدولية بدلاً من أن يكون مفتاحًا للحل.
عندما انطلقت القمة العربية اللاتينية في نسختها الأولى بالعاصمة البرازيلية في مايو (أيار) 2009، مارست الولايات المتحدة ضغوطًا عليها خوفًا من تقديمها دعمًا سياسيًا قويًا للدول العربية، بل إن المتحدث السابق باسم الخارجية الأميركية أكد أن مشروع الإعلان، الذي يتضمن انتقادًا شديدًا لإسرائيل ودعمًا قويًا للفلسطينيين «قد لا يرى النور أبدًا»، إلا أن إعلان الرياض الصادر من القمة أمس أكد «ضرورة تحقيق السلام العادل والشامل للقضية الفلسطينية وفقًا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية الرامية لإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية على حدود سنة 1967»، وهو ما يبرهن على أن العلاقات السياسية الدولية تطورت وقللت من تأثيرات القوى الكبرى مهما كان حجمها.
وفي الوقت نفسه الذي لا يمكن فيه القول بأن التعاون العربي اللاتيني سيكون عنصرًا حاسمًا في تغيير طبيعة الهيكلية الدولية، فإنه لا يمكن إنكار أن هناك تغييرًا ملحوظًا في هذه الهيكلية، فحالة التعددية القطبية انتقلت إلى حالة الثنائية القطبية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم انتقلت إلى ما كان يعرف بـ«الحرب الباردة» التي انتهت في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي، ثم بداية مرحلة جديدة في شكل النظام الدولي أطلق عليها «النظام الدولي أحادي القطبية»، وأفرزت هيمنة الولايات المتحدة على مفاصل النظام الدولي. الآن يمكن القول إن واشنطن لا تزال القطب الأقوى عسكريًا، ولا يمكن مقارنة قوتها العسكرية بالصين وروسيا مجتمعتين، أما سياسيًا واقتصاديًا فلم تعد كذلك، بعد بروز كيانات مثل الاتحاد الأوروبي أو دول مثل الصين اقتصاديًا أو روسيا سياسيًا، وهو ما يسمح لكيانات أخرى بالتشكل لمحاولة تقليص هيمنة الدول الكبرى، والضغط لتحقيق مكاسب أكبر تخدم قضاياها بدلاً من التفرج على المشهد من بعيد.
نجحت الرياض ليس فقط في إضفاء زخم سياسي ودبلوماسي على تحركاتها كعاصمة لها ثقلها الإقليمي، بل أن تحمل كذلك على عاتقها قضايا المنطقة ومصالحها شرقًا وغربًا. المعادلة الجديدة في العلاقات الدولية لا تتغير سواء كنت في السعودية أو البرازيل: افتح الأبواب المغلقة مع تحالفات جديدة ونوعية، مع الاحتفاظ بتحالفاتك التقليدية وتعزيزها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة