الذاكرة الرَّمْلّية
الذاكرة الرَّمْلّيةالذاكرة الرَّمْلّية

الذاكرة الرَّمْلّية

خيري منصور

دعاني صديق عربي وهو طبيب مثقف الى سهرة في مدينته، لم اكن اعرف مناسبتها أو أي شيء عنها، ثم فوجئت بأنها تضم العشرات من أبناء جيله ومنهم من كانوا زملاءه في المدرسة الابتدائية وبعد ذلك في المدرسة الثانوية والجامعة، وفي البداية وقفوا جميعاً دقيقة حداد على زملائهم الذين رحلوا، لكن المفاجأة بالنسبة لي كانت حضور أطباء من خارج البلاد، ومنهم من جاء من استراليا تلبية للدعوة وهناك من جاؤوا من لندن وباريس ونيويوك والكويت والإمارات، ولم أصدق بادىء الأمر أن من كانوا يتقاسمون المقاعد الخشبية المتقشفة في مدارس القرى قبل نصف قرن هم الذين تقاسموا تلك الليلة الدافئة، وكان بينهم نساء حضر معهن أزواجهن، ولأني كنت الوحيد خارج السّرب فقد حاول مضيفي الاهتمام بي كي لا أشعر بالغربة وسألني عدة مرات عن سبب صمتي حتى وأنا اسمع من النّكات ما يضحك الحَجَر! وكنت مستغرقا في تذكر أبناء جيلي بدءاً من مدرسة القرية الابتدائية، فأنا لم التق أحداً منهم منذ عشرات السّنين، ولا أعرف من مات منهم ومن هو الآن على قيد الحياة، واكثر ما اثار شجني هو أن أحداً منّا لم يفكر ذات يوم بما فكرّ به صديقي الطبيب، وخطرت ببالي أسباب عديدة لا استطيع أن أجهر حتى بواحد منها  ! ذلك لأن لي زملاء في المهنة تبعد بيوتهم عن بيتي أقل من كيلو متر واحد التقيت ببعضهم في بكين وبآخرين في دبي، ومنهم من التقيته صدفة في فرنسا أو موسكو خلال مهرجان أو فعالية ذات صلة بمهنتي. فما الحكاية؟ وهل الأمر يخصني وحدي أم يشملنا جميعاً، الاجابة سمعتها قبل كتابة هذه السطور من آخرين قالوا إنهم يحملون الاسئلة ذاتها ويستغربون من هذا التباعد النفسي والثقافي رغم التقارب الجغرافي . انها الذاكرة الرّملية التي لا تؤتمن على دمعة أو قطرة ماء، قد يقول البعض ان الحياة الحديثة أدت الى هذه العزلات وعندئذ لا أجيبه بل اترك لصديقي الطبيب الاجابة وهو الاكثر انشغالاً في مهنته شأن بقية زملائه، لقد ايقظت تلك الليلة شجونا كانت هاجعة، فأين هم سبعة وثلاثون تلميذاً كانوا معي في صف واحد، واكثر من ألفٍ كانوا معي في الجامعة ذاتها؟ -

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com