البناء على الأنقاض خطر – إرم نيوز‬‎

البناء على الأنقاض خطر

البناء على الأنقاض خطر

مأمون فندي

هناك رغبة ملحة لدى كثيرين في تجاوز ثورات 2011 التي كانت في المقام الأول نتيجة لتآكل شرعية معظم الأنظمة، التي سقطت من أجل بناء شرعية على الأنقاض، وهذا خطر عظيم على مجتمعات لم تتعافَ أو تخرج من النقاهة. سياسة «التلصيم» والترقيع في معمار انهار من أساسه، تعيد الأمور إلى ما كانت وتنذر بالانفجار الكبير.
إذا ما استطعنا أن نتحدث عن «الربيع» أو الثورات التي اجتاحت العالم العربي بشكل فني (technical) بمعنى تشريح ما حدث بعيدا عن رغباتنا وتحيزاتنا، سواء كنا مع أو ضد تلك الثورات بموجاتها المختلفة، يمكن فهم ما أقصده بـ«ـتلصيم» الشرعية الذي قد يؤدي إلى الانفجار الكبير. الهدف هنا ليس الإحباط بقدر ما هو النظر بشكل إيجابي إلى المستقبل من أجل بناء معمار سياسي جديد يتجنب سلبيات النظام الذي انهار منذ شرارة تونس حتى اليوم، فلا يمكن أن نبني إلا إذا أدركنا الخلل الذي أدى إلى اندلاع الثورات أو انهيار المؤسسات بعيدا عن جدل المؤامرة أو جدل الثورة. فحتى لو كانت ثورة يناير (كانون الثاني) في مصر، وهنا أكتب كوني مصريا، مجرد مؤامرة كما يدعي البعض، فالأولى أن نفهم لماذا انهار النظام أمام مؤامرة؟ وهل ما نبنيه اليوم قد ينهار لو جاءت مؤامرة أخرى، وما أكثر المؤامرات؟
طبعا المثير للانتباه في العقل العربي هو رغبته في الحديث عن العبث بأمن بلادنا بأياد خفية من الخارج، ولا يستوقفنا الوجود الخارجي المباشر بعدته وعتاده، كما هي حالة الوجود الروسي في سوريا أو الوجود الأميركي في العراق وغيرهما وقد يهتف له البعض.
بغض النظر عن هذا، في تصوري ما حدث في يناير كان في المقام الأول تآكلا في معظم مؤسسات الدولة، مما أدى إلى تصدعها بسرعة، لذا في الحالة المصرية لم تبق إلا مؤسسة واحدة قادرة على حماية البلاد وهي القوات المسلحة المصرية. ولو يتذكر البعض أن تآكل الشرعية لدى المؤسسات جعل المحافظين حتى في المحافظات التي لم تجر بها أي اضطرابات يتركون مواقعهم، ويغلقون أبواب مؤسساتهم ويهربون إلى بيوتهم، طبعا الذي حدث في الإسكندرية والقاهرة والسويس كان واضحا، ولكن لماذا انهارت المؤسسات في قنا وسوهاج والبحر الأحمر وبعض محافظات الدلتا والحدود دون مواجهات تذكر؟
تآكل الشرعية في أنحاء البلد، وفي وقت واحد وفي معظم المؤسسات، يطرح أسئلة كثيرة عما حدث يجب تشريحها، حتى الذين كانوا يتحدثون عن الفلول وعن حزب وطني حاكم لم يجدوا من الأدلة ما يبرر وجود هذا الحزب، فمثلا إن كان أعضاء الحزب الوطني يوم الانهيار مليونين مما يبرر أحاديث البعض عن الفلول! كيف ذاب هذا الحزب تمامًا؟ وكأن سائلا حارقا قد تم رشه فأدى إلى تآكله في لحظة، ربما من المؤسسات التي بقيت بشكل معقول بعد الجيش هي مؤسسة القضاء رغم أن بداية التصدع ضربت فيها أولا وقبل الثورات.
كيف انهارت مؤسسات الأمن كاملة؟ وما العوامل التي أدت إلى هذا الانهيار السريع؟ ولماذا لم يدافع أحد عن نظام الحكم أو عن الرئيس كما نرى الآن في سوريا؟ هل لأنه لم تكن هناك طائفة موالية مثل سوريا أم أن الرئيس ومن معه لم تكن لديهم قاعدة شعبية تدافع عنهم أو تضحي بنفسها من أجله؟ أين كان من يقولون بولائهم للرئيس مبارك اليوم أو يعلنون محبتهم له؟ ألم تكن تلك المحبة موجودة يوم الانهيار ليدفع أحدهم فاتورة الولاء والمحبة أم أننا في مرحلة «المحبة رخيصة التكاليف» اليوم على عكس «المحبة غالية التكاليف» أيام الثورة؟ بالمحبة هنا أعني الولاء الذي يجعل من هو جزء من النظام يموت دفاعا عن مصالحه. ببساطة هل ما حدث هو تآكل للشرعية والمؤسسات في لحظة واحدة؟
بشكل عام، وفي الحالة المصرية أو الليبية أو التونسية أو اليمنية، نستطيع القول إن «المؤسسات الوطنية لم تكن قادرة على حمل نظام حكم بعينه لمدة تتجاوز الـ30 عاما» أي بعد ما يقرب من 30 عاما انتهت صلاحية هذه المؤسسات، كما يتحول الإسمنت أو الجبس إلى تراب بعد فترة فتنهار الأبنية على من فيها. السؤال إذن: هل سنرى هذا الانهيار كل ثلاثين سنة مثلا أم أننا قادرون على بناء مؤسسات تستمر أكثر من ذلك؟
حتى هذه اللحظة لم أتحدث عن انهيار النظامين الاجتماعي والاقتصادي، ترى ما العوامل الاقتصادية التي أدت إلى الانهيار؟ من يذكر منكم المؤشرات الاقتصادية التي كان يتحدث عنها النظام الأسبق من حيث النمو؟ ومن يذكر مقالات أحمد عز التي نشرت في «الأهرام» قبل الثورة؟ هذه الأرقام لا تبرر خروج الناس إلى الشارع، أما أن الأرقام كانت زائفة، أو أن ثمة فجوة بين هذا النمو المزعوم وقدرته على الحفاظ على بقاء النظام. بطريقة أخرى ما معدل النمو القادر على بقاء نظام ما في تلك البقعة من العالم والتي إذا ما نقصت يخرج الناس إلى الشوارع؟ هل هناك رقم بعينه أم مجموعة أرقام تقريبية تعد مؤشرات تحذيرية للنظام وتنذر بانهياره؟
لماذا أيضا بقي النظام الاجتماعي بعد كل هذه الثورات ولم يتغير؟ هل كان النظام السياسي والاجتماعي مختلفين للدرجة التي يكون فيها انهيار أحدهما ليس انهيارا للآخر، أي أن النظام ليس نبتا طبيعيا لمجتمعه؟ فلو كان السياسي انعكاسا للنظام الاجتماعي لحدث تغير فيهما معا.
هل يكفي للبناء الجديد ثورة على الثورة أم أن فكرة الثورة والثورة المضادة وكل المفاهيم المتداولة تؤدي إلى السقوط أكثر في الحفرة، ومزيد من تآكل المؤسسات وتجعلها غير قادرة على تحمل أعباء النظام الجديد؟
في تصوري لا يمكن بناء نظام جديد يتجاوز أسباب انهيار الأنظمة السابقة إلا بدراسة تشريحية وموضوعية لأسباب الانهيار الذي حدث.
البعض منا ينظر إلى المشهد بشخصنة للنظام السياسي، بمعنى أن تغيير مبارك أو مرسي وإزاحة الأشخاص، أو حتى عودة بعضهم، فيه الخلاص من أسباب انهيار القديم. الأنظمة السياسية يصبح الأشخاص رموزا لها، بمعنى اختصار المعاني السياسية للنظام، ولكنه اختزال مضلل ولا يساعدنا على الفهم، فلا عودة أشخاص نظام مبارك أو حتى نظام مرسي يعد بديلا عن إعادة بناء المؤسسات التي لم تتحمل هؤلاء الأشخاص؛ لأنهم إذا ركبوا على ذات المؤسسات المنهارة، فإنها ستنهار مرة أخرى.
الدولة وبناؤها ليس موضوع أشخاص فقط، رغم أهمية الأشخاص، فالأساس في بناء الدول هو بناء المؤسسات، وبناء قدرات هذه المؤسسات حتى تكون قابلة للاستمرار ولا تنهار أمام أي هزة سواء كانت مؤامرة أو ثورة.
إذن بداية البناء الجديد هي الإجابة بموضوعية عن أسباب انهيار القديم، ومن بعد هذا تكون الأسئلة هل نبني نظاما شبيها وبالمعايير نفسها والمقاييس والمواد وربما البشر؟ وإذا فعلنا هل سيكون مصير الجديد هو مصير القديم؟ أم نبني بمعايير جديدة ومواد جديدة وربما شخوص جدد تجنبًا لدفع فاتورة مشابهة لما دفعناه خلال السنوات الأربع الماضية.
يظن بعضنا أن رمي الأموال على المشكلة يحلها، كما يطفئ الماء النار عند رشه، في الأنظمة السياسية الأمر مختلف تمامًا.
بداية البناء الصحيح بعد الانهيار طرح الأسئلة الصحيحة، وأتمنى أن نتوقف للحظة لندرس بموضوعية أسباب انهيار القديم، قبل أن نتوغل بعيدا في بناء جديد يعيد إنتاج القديم.
حتى اللحظة هناك تناقضات كبرى لم تحل، فجماعة «الثورة مؤامرة» يرفضون أن تمتد تلك المؤامرة فتشمل سوريا وليبيا واليمن، وبالتالي تصبح عودة نظام القذافي وصالح ومعهما الأسد رغبة لهم. حتى هذه اللحظة نحاول أن نبني على الأنقاض شرعية نظنها جديدة من خلال دستور وبرلمان الأنقاض. البناء على الأنقاض قابل للانهيار مرة أخرى وبخسائر أكبر وعنف أكثر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com