لماذا تؤيدون ولماذا تعارضون؟

لماذا تؤيدون ولماذا تعارضون؟

سمير عطا الله

كتب إليّ قارئ كريم من «النهار»: «لماذا تقوم الدنيا إذا تدخلت روسيا لوقف المجازر والسبي، ولا نعترض على ما أحدثته بنا أميركا وأوروبا من خراب قبل الثورات العربية؟». سؤال في منتهى العمق والحق. إلا أنه يُطرح على كاتب ضُبط في أي وقت من عمله أو حياته الخاصة، يؤيد أي تدخل أجنبي في أي بلد عربي، أو قضية عربية.
المؤسف، دائمًا، أن القارئ ينسى، أو يجهل، سيرة مهنية كاملة لأنه أثاره موقف لا يرضيه. أو كأنما كنتُ من المرحبين بالذبح والسكاكين والسبي، والاجتياحات الهمجية للحضارة العربية، والإنسان العربي، والمستقبل العربي، والمصير العربي.
لست ضد التدخل الروسي لهزيمة «داعش». ولا ضد هجمات المساحيق الغربية عليها. نحن ضد إطالة العذاب السوري وتفاقم التحدر العربي والدور السلبي الأميركي في المأساة منذ بدايتها. والكارثة السورية ليست واقعة في الهند الصينية، بل في جميع ديارنا. وهذه الخيام والمراكب المليئة بالفواجع أقرب إلينا من أحداقنا.
لست ضد تدخل روسيا بعد 5 سنوات من الدماء والخراب والتشرد والعذاب. بالعكس تمامًا. أنا ضد اللامبالاة الروسية الفظّة، واللعب على دماء السوريين، وعدم إقناع النظام منذ اللحظة الأولى بالفسح أمام سبل الحل والوصاية، بدل استخدام الفيتو الذي مدد للكارثة. أنا كنت أفكر دومًا في الاتحاد السوفياتي الذي لم تسقط ضحية واحدة فيما كان يتعرض لأكبر عملية تحول سياسي في التاريخ، ولماذا لم يستخدم مكانته وموقعه ونفوذه عند دمشق، لإقناع النظام باستيعاب مطالب التطوير وتلبية رغبات التقدم.
والمآخذ على الروس لا تعني، تضمينًا أو إعلانًا، تأييدًا للامبالاة الغربية. كِلا الفريقين كان مهتمًا بمكايدة الآخر، وليس بحفظ سوريا. لقد ظل الجميع يلهون بالكلام السقيم والثرثرة المملة، إلى أن أصبحت الكارثة السورية في قلب ديارهم. وإلى أن أصبح الحل عسكريًا فقط. ليس بين النظام والشعب، وإنما بينه وبين المنظمات العسكرية على تفاوت هوياتها، وفي طليعتها تنظيم السبي، والذبح، وإحراق البشر أحياء في أقفاص حديدية مغلقة، ثم عرض المشاهد على العالم أجمع باسم الإسلام.
لا تؤخذ مواقف الكتّاب بآخر مقال. بقيت أكتب ضد قسوة النظام العراقي حتى آخر لحظة، لكنني بقيت أكتب ضد الاحتلال الأميركي أيضًا حتى آخر لحظة. وفي ليبيا لم أقف مع التدخل، ولكن مع الليبيين الذين كان يقذفهم «الجماهيري» بالطائرات والدبابات، ويصفهم بالجرذان، ويتوعدهم بالمطاردة زنقة زنقة، بعدما حشرهم طوال 40 عامًا في زنقة الحياة والذل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com