سوريا تنزلق إلى الأفغنة؟

سوريا تنزلق إلى الأفغنة؟

راجح الخوري

إلى أين يمكن أن يصل فلاديمير بوتين في تحدياته العسكرية والسياسية هذه، وهل ستتحول سوريا ساحة مواجهة بالوكالة بين روسيا وأميركا، وخصوصاً بعدما قررت واشنطن على ما يبدو إسقاط الأسلحة والذخائر إلى المعارضة السورية في الشمال، في وقت يكثّف الطيران الروسي قصفه لمواقع هذه المعارضة على تخوم المناطق العلوية التي يعترف بوتين بأنها محاصرة؟
عندما يتهم بوتين أميركا بأن «تفكيرها مضطرب»، فإن من شأن ذلك أن يعمق رقعة الخلاف بين موسكو وواشنطن، وإن كانت ترتفع هذه الأيام أصوات في أميركا تجلد أوباما كما لم يحدث من قبل، لأنه يتراجع أمام الاندفاعات الروسية من أوكرانيا إلى سوريا بما يرسم معالم حضور إستراتيجي روسي، يمكن ان يعيدنا إلى معادلة الاستقطاب الثنائي التي سقطت مع انهيار الاتحاد السوفياتي.
في أي حال لم يكن الأمر يحتاج إلى الحديث عن اضطراب في تفكير واشنطن، لأنه بمجرد أن يندد بوتين بعدم تعاونها مع روسيا في حملتها العسكرية في سوريا، فإنه يبدو كمن يقصفها بكثير من الانتقادات لثلاثة أسباب على الأقل:
أولاً: لأنه يريد من أوباما ان يعترف صراحة بفشله في مواجهة الإرهاب، والدليل أن التحالف الدولي الذي شكّله لهذا الغرض منذ عام ونيف لم يتمكن من وقف تقدم «داعش».
ثانياً: لأنه بمجرد أن يستجيب أوباما لدعوة بوتين للتعاون مع حملته العسكرية، ستبدو أميركا وكأنها باتت تعمل تحت المظلة الروسية في سوريا، بعدما أفشلت موسكو كل المساعي للتسوية السلمية منذ ما قبل مؤتمر جنيف، عبر دعمها الحل العسكري الذي ينخرط فيه النظام منذ البداية .
ثالثاً: لأن العملية العسكرية الروسية تتم على قاعدة لا تعترف بوجود معارضة سورية معتدلة، وتعتبر ان كل معارض للرئيس بشار الأسد إرهابي يجب قتله، ولهذا تتركز عمليات القصف التي تنفذها المقاتلات الروسية على المعارضة المتقدمة عند تخوم المناطق العلوية، وبينها قوات دربتها اميركا، وعلى هذا يمكن أن يكون هناك من اضطراب أو تشوّش في هذا الموقف الروسي تحديداً!
في أي حال يحاول بوتين حشر أوباما في الزاوية الضيقة منذ البداية، فالحشد العسكري الروسي في طرطوس واللاذقية جاء مفاجئاً تماماً لواشنطن، التي كانت تعاني من الإحراج، بسبب الفشل المعيب لبرنامج اوباما لتدريب المعارضة السورية، ولهذا لم يتوانَ بوتين في القول إن أميركا خططت لتدريب 12 ألف شخص ضمن برنامج الجيش السوري الحر ثم انخفض العدد الى ستة آلاف، لكنها دربت في النهاية ستين شخصاً لم يحارب منهم «داعش» سوى اربعة او خمسة، وكان الأحسن لو أعطتنا الـ500 مليون دولار، لكنا استخدمناها أفضل في مكافحة الإرهابيين!
الأخطر والأكثر أهمية أن بوتين أطلق منذ بداية حملته في سوريا رسائل ذات بعد إستراتيجي تتصل بالتوازنات الجيوسياسية على المستوى الدولي، فمع وجود مقاتلاته الحديثة في الفضاء السوري وقواعد صواريخه في طرطوس، لم يكن في حاجة إلى إطلاق صواريخ كروز من بحر قزوين على بعد 1500 كيلومتر على إهداف في سوريا، لكنه أراد تقديم عرض للقوة لا يخلو من التحدي في وجه دول حلف الأطلسي، التي عبرت الصواريخ في محاذاتها على خلفية تتصل بالوضع في اوكرانيا والعقوبات الغربية المؤلمة المفروضة على موسكو.
عندما سئل بوتين في مقابلة مع قناة «روسيا 1» إذا كان أخطر الأميركيين بإطلاقها قال «إن الاستخبارات الأميركية لا تعرف كل شيء، ولا يتعين عليها أن تعرف»!
أيضاً من الواضح أن التحرشات المتكررة للمقاتلات الروسية في الأجواء التركية لم تكن عرضية، بل كانت عرضاً للقوة، فتركيا ثاني أقوى دولة في حلف الأطلسي، وهي كانت منهمكة في التعاون مع أميركا لإقامة منطقة عازلة في شمال سوري على الحدود التركية، الأمر الذي بات الآن أكثر إلحاحاً بعد أزمة تدفق اللاجئين على الدول الأوروبية!
قبل أن تصل اتهامات بوتين إلى واشنطن، برز خبران مهمان قد يشكّلا نمؤشراً على انعطاف جذري في الوضع السوري، الأول عندما أعلنت قيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط أنها ألقت خمسين طناً من الأسلحة والذخائر إلى مقاتلين من المعارضة السورية يتصدون لـ«داعش» في شمال سوريا، والثاني عندما أعلنت ثمانية تنظيمات وفصائل سورية معارضة تلقى دعماً أميركياً وبينها «وحدات الشعب الكردي» التي قاتلت في كوباني، عن توحيد جهودها العسكرية تحت اسم «قوات سوريا الديمقراطية»، وهذه الفصائل تقاتل على جبهتين «داعش» والنظام.
الخبر ليس هنا، بل عندما يوضّح البنتاغون أن عملية التسليح هذه، تعكس التوجّه الجديد لإدارة أوباما بهدف التصدي للمتطرفين في سوريا، وأن هذا التوجه يركّز على تزويد مجموعات منتقاة بالأسلحة، وتأمين دعم جوي لها لتكون قادرة على شن هجمات منسقة على المتطرفين!
وفي ما بدا رداً على سخرية بوتين بشأن الـ 500 مليون دولار، قال المتحدث باسم التحالف الدولي ستيف وورن، إن برنامج تسليح المعارضة مستمر، وأن جزءاً كبيراً من ميزانية الـ500 مليون دولار سيتم إنفاقه لإرسال أسلحة إلى المعارضة السورية المعتدلة!
بعد أقل من عشر ساعات على هذا التصريح لم يتردد بوتين في الإعراب عن مخاوفه من «وصول إمدادات السلاح الأميركي إلى أيدي عناصر إرهابية» وهو الذي يعتبر كل معارض إرهابيا، لكن السؤال الأهم الذي يبرز من خلال هذا التطور هو: هل قررت واشنطن فعلاً أن يرد على التحدي عبر تسليح المعارضة التي طالما تردد في تسليحها، وهل يصل الأمر إلى حصولها على أسلحة نوعية في مواجهة المقاتلات والحوامات الروسية، بما قد يفضي إلى أفغنة الأرض السورية في وجه بوتين، وهذا يعني المزيد من الدماء والدمار، ليصبح التقسيم وقيام الدولة العلوية مخرجاً يرضي الجميع؟
بوتين يقول «إن الشركاء الغربيين مصابون بشوش ذهني» فيرد المتحدث باسم التحالف الدولي بالقول «إن غارات بوتين رعناء وغير مسؤولة»، بما يعني أن السوريين لسوء الحظ أمام ازدحام من الحديد والنار ومن المواقف المشوشة، والمحظوظ هو من يخرج من هذه المعمعة بعقل كامل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com