مقالب داعشية

مقالب داعشية

مشاري الذايدي

من أجل أن تتغير السلوكيات العامة للمجتمعات نحتاج لفترات زمنية متباعدة، وأجيال إثر أجيال.. لكن كان هذا في الماضي الوئيد.
هناك عوامل تغير حياة وثقافة وسلوك المجتمعات ومعايير الأولويات، من تلك العوامل، خطوط النقل التجارية والبحرية والبرية، أو بشكل عام مسارات النقل سواء للتجارة أو للأغراض الدينية مثل الحج وطلب العلم الديني، أو للتجارة طبعا. وما يسري على خطوط النقل يسري على وسائط النقل نفسها، من الإبل والسفن الشراعية سابقا، إلى القطارات والسيارات والسفن العملاقة ذات المحركات النووية والنفطية.
هناك أيضا، مما يؤثر على سوية المجتمع وكيفية تبادل المعارف داخله، والخبرات والموضات، كيفية الاتصالات، من الرسائل الورقية والبرق والتلغراف حتى الهاتف المنزلي، في السابق، إلى الهواتف الذكية (اسمارت فون)، والواي فاي، وما يشتمل عليه هذا الوسيط الاتصالي من محتويات دفاقة على مدار الثانية من صور وفيديو ونصوص، بشكل مكثف مستمر، يتهدد الجميع، مما يضيع معه صوت التصويب والتصحيح.
حفلة ضجيج هستيري من الأخبار والإشاعات ينخرط فيها الكل تقريبا، صغارا وكبارا، نساء ورجالا.
حتى الأطفال صار لهم نجومية على هذه المحطات التواصلية، وصار الإعلام التقليدي (تلفزيون – صحف) يعيد ترويج هؤلاء الأطفال، أو أشباه الأطفال على منصته الإعلامية التي يفترض أنها أكثر مسؤولية ورصانة من سيلان «السوشيال ميديا».
على ذكر «السوشيال ميديا»، والهوس بالشهرة والإثارة، فقد تحول التخويف باسم «داعش» إلى وسيلة سهلة للباحثين عن الإثارة والحماسة و«المقالب» خاصة من الأطفال أو المراهقين، أو المعاتيه من الرجال والنساء.
يعني لا يكون هو «داعشيًا»، بل يتقمص شخصية «داعشي» حتى يصنع «مقلبًا» في الطرف الضحية.
قرأت بصحيفة «المدينة» السعودية هذا الخبر عن ظاهرة «المقالب الداعشية»، التي انتشرت في الآونة الأخيرة على وسائل التواصل، وكان آخرها رسالة «واتساب» تعود لإحدى المعلّمات بحائل، عند تلقيها رسالة من زميلة لها كادت تقلب حياتها رأسًا على عقب، مفادها: «كم أنتِ محظوظة! لقد اخترناكِ لتكوني إحدى السبايا لدينا، وشهيدة أيضًا. وفقكِ الله في منظمة داعش».
أكيد أن المزح و«استخفاف الدم» في مثل هذه الأمور يجب أن يواجه بالعقوبة الصارمة، تمامًا مثلما يُفعل بمن يهدد ركاب طائرة بقنبلة لأنه «يمزح».
الفكرة من وراء هذا كله أن هذا السلوك المستهتر، أو لنقل «تفشيه» هو من السلوكيات التي وسمت المجتمعات الحديثة بفعل الثورة في نظام الاتصالات.
كما قيل سابقًا هنا، القانون يأتي غالبًا بعد وجود الظاهرة، فهو منظم للفوضى التي قبله، ونحن بانتظاره.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com