أفغنة سوريا!

أفغنة سوريا!

عثمان ميرغني

الجدل الدائر بين أميركا وروسيا حول تصنيف المعتدلين والمتطرفين في سوريا، ومن يمكن الإغارة عليهم، ومن يجب استثناؤهم، يعكس ضبابية الصورة، ويبرز الإشكالية الكبرى حول الجهات التي يمكن التعاون معها في أي خطوات مستقبلية لحل الأزمة، والجهات الأخرى التي سيمثل استبعادها مشكلة لما تملكه من قوة على الأرض في الوقت الذي تعتبر فيه إما «متطرفة»، وإما «إرهابية». فالإدارة الأميركية في انتقادها للغارات الروسية في سوريا، قالت إن موسكو تستهدف مواقع لتنظيمات المعارضة الأخرى، ومن بينها تنظيمات «معتدلة»، أكثر مما تستهدف مواقع «داعش». روسيا ردّت بأنها تحارب الإرهاب وتستهدف «المتطرفين والإرهابيين»، وطالبت أميركا بإعلان ما إذا كانت تعتبر «جبهة النصرة»، أو «جند الشام»، أو التنظيمات المتطرفة الأخرى، من بين «المعتدلين».
الحقيقة أن الأمور متداخلة ومتشابكة ومعقدة، وباستثناء «الإجماع» حول محاربة «داعش»، تختلف غالبية الأطراف المعنية حول تحديد وتعريف من هو المتطرف، ومن هو المعتدل، في ساحة الاقتتال في سوريا.. فكثير من فصائل المعارضة السورية التي تملك قوة على الأرض، هي فصائل إسلامية، وقسم منها متطرف أو على علاقة بـ«القاعدة»، مما يمثل معضلة لدى البحث في كيفية حل الأزمة السورية، وكيف سيكون شكل البديل المستقبلي، وما إذا كان النموذج الليبي أو الأفغاني سيتكرر في سوريا.
وفي خضم الجدل الدائر حول من يجب أن تستهدف الغارات، ومن يجب أن يستثنى منها، كان هناك أيضًا من تساءل: إذا كانت روسيا وأميركا تتحدثان عن قصف من تصنفانه بالإرهاب، فلماذا لا يمتد القصف أيضًا إلى حزب الله اللبناني الذي يشارك مقاتلوه إلى جانب قوات الأسد وتصنفه واشنطن على أنه تنظيم إرهابي؟
روسيا على ما يبدو بدأت غاراتها في سوريا وهي حاسمة أمرها في اتجاهين؛ الأول هو اعتبار غالبية الفصائل الإسلامية التي تملك قوة على الأرض، فصائل «متطرفة وإرهابية»، وبالتالي فإن مهاجمة مواقعها تدخل تحت لافتة حرب الإرهاب. أما الأمر الثاني فهو التمسك بأن الأسد أساسي في محاربة الإرهاب، وأن قواته «هي التي تتصدى للإرهابيين وجهًا لوجه». النظرة الأوسع للتغيير في الاستراتيجية الروسية من الدعم المستتر لنظام الأسد، إلى المشاركة العسكرية المباشرة لدعمه، تعني أن موسكو قررت توسيع ساحة الحرب الباردة مع الغرب من أوكرانيا إلى سوريا، الأمر الذي ستكون له تداعياته على الأزمة السورية وأفق حلها.
على الجانب المقابل، لا يزال التخبط يطغى على الموقف الأميركي، وليس من الواضح ما ستكون عليه الخطوة المقبلة لإدارة أوباما بعد فشل وتعليق برنامج تدريب «معارضين معتدلين». في إطار هذا التخبط بدأت بعض الدوائر الأميركية تدعو للتعاون مع فصائل سورية كانت تصنف إما متطرفة، وإما على علاقة بتنظيمات إرهابية، واستخدامها في الحرب على «داعش». ففي 31 أغسطس (آب) الماضي أوردت نشرة «ذي ديلي بيست» الأميركية، أن الجنرال المتقاعد والمدير السابق للاستخبارات الأميركية ديفيد بترايوس الذي كان أيضًا قائدًا سابقا للقوات الأميركية في العراق وأفغانستان، قام بنشاط خلف الكواليس لحثّ مسؤولين في إدارة أوباما وفي الكونغرس على تبني استراتيجية تقوم على أساس الاستعانة بعناصر «معتدلة» من «جبهة النصرة» لمحاربة «داعش» في سوريا.
ولتوضيح موقفه، أجرى بترايوس مقابلة مع شبكة «سي إن إن» قال فيها إنه لا يؤيد تعاونًا مع «جبهة النصرة» المرتبطة بـ«القاعدة»، لكنه يرى أن هناك عناصر في «النصرة» انضمت للتنظيم لكي تقاتل نظام الأسد، وليس بالضرورة لأنها ملتزمة بفكر التنظيم المتطرف، وأن هؤلاء يمكن استقطابهم والتعاون معهم في محاربة «داعش».
السفير الأميركي السابق لدى العراق بيتر فورد قدم رؤية مختلفة قليلاً، عندما دعا إلى حوار مع تنظيم «أحرار الشام» والتعاون معه بدلاً من تصنيفه على أنه تنظيم «إرهابي». وعلى الرغم من أن فورد يقر بأن «أحرار الشام» تعاون مع «جبهة النصرة» وقاتل معها، فإنه يرى أن هناك خلافات آيديولوجية وسياسية بين التنظيمين يمكن للغرب استغلالها، وتبرر التعاون مع «أحرار الشام».
الواقع أن التفكير الذي تروّج له أطراف في أميركا يهدد بتكرار تجربة التعاون مع طالبان والأفغان العرب في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي لذلك البلد.. فذلك التعاون انتهى إلى كارثة سيطرة طالبان على أفغانستان وولادة تنظيم القاعدة. العالم كله دفع الثمن، وليس أميركا وحدها؛ إذ شهدنا أسوأ موجة من الإرهاب الذي ضرب في أميركا مثلما ضرب في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا وإندونيسيا وكينيا والهند وباكستان، وكذلك في السعودية ومصر والأردن والمغرب.. وكثير من دول العالم.
السؤال المحير هو: لماذا يريد البعض تكرار تلك التجربة؟
الحلول للأزمة السورية لا يمكن أن تكون انتهازية، أو وقتية، ومحاربة «داعش» يجب ألا تكون باستنساخ تجارب كانت وبالاً على العالم كله، ودفع العالم العربي والإسلامي الثمن الأكبر فيها، ولا يزال.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com