السعودية تحدّثت باسم البشرية

السعودية تحدّثت باسم البشرية
عادل الجبير وزير الخارجية السعودي

زياد الدريس

في موقف غير مسبوق، دولياً، ومعاكس للإتجاه العالمي المتزايد أو المتخاذل في هذا الشأن، وقف وزير خارجية المملكة العربية السعودية على منصة الأمم المتحدة بنيويورك وأمام أنظار العالم كله، ليعلن عن الموقف السعودي من ظاهرة الشذوذ الجنسي وزواج المثليين.

قال الوزير عادل الجبير، في كلمة المملكة التي ألقاها أمام القمة العالمية الألفية للتنمية المستدامة لما بعد 2015، ضمن أعمال الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة: «إن المملكة العربية السعودية وهي تشارك في هذه القمة وتتوافق مع مخرجاتها وأهدافها لا بد أن توضح موقفها حيال بعض الفقرات الواردة في هذا البيان، والتي يمكن أن تفسر بشكل يتعارض أو يخالف تعاليم وأحكام الشريعة الإسلامية. هنا نود التأكيد أن الإشارة إلى «الجنس» في النص يعني بدقة «ذكر» أو «أنثى»، وأن الإشارة إلى «العائلة» في النص تعني الأسرة التي تقوم على الزواج بين الرجل والمرأة، وفي حالة خروج هذه المصطلحات عن مقاصدها، فإن بلادي تؤكد حقها السيادي الكامل في التحفظ على تنفيذ أي توصيات تتعارض مع مبادئ ديننا الإسلامي وتشريعاتنا».

لا توجد، في حد علمي، دولة أخرى أشهرت موقفها بهذا الوضوح الساطع وفي هذا المنبر الرفيع من ظاهرة الشذوذ الجنسي التي أصبح الحديث عنها بسوء هو شكل من أشكال الفوبيا الجديدة التي تفرضها ثقافة أحادية على ثقافات أخرى مغايرة. ويوشك أن يصبح تجريم ازدراء الشذوذ أو معارضته مثل تجريم مناقشة الهولوكوست!

أتحدث هنا عن تجربة، من خلال عملي في منظمة اليونسكو التي تعنى بملفات التربية والثقافة والعلوم، وكلها محاور تتداخل مع قضية الشذوذ الجنسي تداخلاً مباشراً، وألمس كيف تمارَس الضغوط على الدول، لا لتصمت فقط عن الاستنكار، بل ولتؤيد وتبرر هذا الانفتاح العالمي والهرولة نحو تلطيف المثلية، لا باعتبارها حالة مرَضية ينبغي علاجها بل حالة طبيعية يجب قبولها بل والترحيب بها!

لا أحد يشكّك أن أعداد الدول التي تعلن إقرارها زواج المثليين باتت في تزايد سريع، خصوصاً بعدما أقرت الولايات المتحدة ذلك في شهر حزيران (يونيو) الماضي. ولن ينسى العالم البؤس والاستكانة التي بدا فيها الرئيس الأميركي أوباما حين وصف قرار المحكمة العليا، مرغماً، بأنه «انتصار لأميركا .. وانتصار للحب».

رغم الضغوط الدولية من المؤسسات المعنية بالشذوذ ومن بعض الدول «المتحضّرة» إلا أن ٧٦ دولة ما زالت تجرّم الشذوذ الجنسي، وإذا كان عدد الدول التي أقرّت زواج المثليين هي حتى الآن ١٨ دولة، ١٣ منها من دول الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يعني وجود أكثر من ١٠٠ دولة ما زالت تتأرجح أو تتخوف من إعلان موقفها من هذه المسألة الأخلاقية.

لم أكتب هنا الآن لأتناول الجانب البيولوجي والأخلاقي لهذه المسألة الشائكة، فقد فعلت ذلك في مقالة سابقة هنا، جعلتها تحت عنوان: «الأسرة المزورة». لكنني أكتب بفخر عن الموقف السعودي الشجاع الذي أعلنته رغم الأوضاع الصعبة والمعقدة سياسياً وعسكرياً في المنطقة، والتي كان يمكن أن توجِد ذريعة لدولة ضعيفة أو مستضعفة أن تسكت وتوقّع على بيان الألفية «الملغوم» من دون أن تعلن موقفها كما أعلنته السعودية بوضوح.

بقي القول، أن التحفظ السعودي لا يُحسب باسم السعودية فقط ولا باسم الدول الإسلامية التي تأبى شريعتها الممارسة المثلية، بل أيضاً باسم الدول الصامتة رغماً عنها، وباسم البشرية التي تدرك أن «التنمية المستدامة» هي في ديمومة الحياة الطبيعية للإنسان وللحيوان وللنبات عبر الثنائية الجنسية، وما عدا ذلك فيجب أن يبقى محتفظاً باسمه الذي بات يُعاب استخدامه الآن وهو: الشذوذ.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com