التاريخ في كتابة رجل ذي أفق

التاريخ في كتابة رجل ذي أفق

ينسى طريف الخالدي أن يسبِق اسمه بلقب دكتور، لكثرة ما في أدراجه وفي عائلته من شهادات أكاديمية. ويخيل للناس أحيانًا أنه ليس في هذه العائلة المقدسية من لم يتأبط مجموعة من الشرفيات الأكاديمية العليا من هارفارد وشيكاغو وأكسفورد، وما تيسر.

علّة طريف الخالدي، وميزته الكبرى، أنه يكتب بالإنجليزية. وعندما ترجم معاني القرآن قبل سنوات، كتب المحرر الأدبي في «الغارديان» أنها أدق ترجمة نُقلت إلى الإنجليزية على الإطلاق. أي منذ أكثر من أربعة قرون.

يُدرِّس طريف الخالدي التاريخ العربي والإسلامي (كرسي الشيخ زايد) في جامعة بيروت الأميركية. وعلينا أن نُغبِّط طلابه. تُرجمت مؤلفاته إلى العربية على أيدي علماء من علماء اللغتين، كما يبدو بوضوح في كتابه الأخير «فكرة التاريخ عند العرب» (دار الجمل، ترجمة حسني زينه).

وإذ تقرأ وتُعيد القراءة، لا يُبهرك فقط كم أمضى البروفسور خالدي في وضع هذا المؤلف الذهبي، بل أيضًا كيف استطاع المترجم، ثري العبارتين والثقافتين، أن يقارب هذا السيل من المعارف والأفكار والمراجع والأسماء والعصور.

يعيد الخالدي تقديم التاريخ العربي الذي عرفناه. أو يعيد تقييمه، لكي يضعه في إطاره العلمي، مجردًا من الخطابيات، خاليًا من الرصف الكلامي، متجنبًا رتابة العنعنة.

ومن أجل تحليل فكرة الزمان وعلاقته بالتاريخ، يعود دومًا إلى القرآن وسوره وآياته: «إن القصة القرآنية أو الحكاية، أقرب من حيث الوظيفة إلى شاهد من شواهد كثيرة على رأي أو قول، بل أقرب إلى مثل يضرب منها إلى سرد أو رواية». «إذ قال يوسف…». و«إذ قال موسى…». جمل ابتدائية شائعة في القصص القرآني توحي بعبرة أخلاقية أو نموذج مثالي يكرر: «ليلائم العبرة المرادة».

الله هو الزمان. أو بالأحرى هو شيء من خلقه. لذلك يكرر تعالى الدعوة إلى التذكر، «والنسيان» على الضد من ذلك هو بداية الخطيئة «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» (البقرة). ومن «أخص أنشطة الشيطان إضلال الإنسان عن تذكّر الله واستدراجه إلى العمى الروحي والنسيان، فكأن الصراع الكوني بين الخير والشر تدور رحاه في ذاكرة الإنسان».

تقرأ مؤلفات طريف الخالدي في القرآن الكريم، وفي الإسلام، ومنها («عيسى المسلم» أو «يسوع في الإسلام» (دار «النهار») على أنها عمل رائع في عدة فصول، بما فيها كتابه عن الجاحظ، المسلم التسامحي. للأسف لا أعرف ماذا ترجم من تلك الكتب وماذا لا يزال بلا ترجمة. فالناشر العربي لا يخبرنا. ولا يضع سيرة موجزة للمؤلف الكبير. ولا يطلعنا على سيرة المترجم الذي أثمر عملاً خليقًا بالمؤلف.

K1014

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com