تحويل الشعيرة إلى شعار

تحويل الشعيرة إلى شعار

زياد الدريس

تراكمت الأحداث والقضايا التي توالى حدوثها علينا في أيام العيد فما يدري الكاتب عن أيِّها يكتب. هنا يمتاز الكاتب اليومي عن الأسبوعي، إذ يتمكن الأول من مواكبة رأيه مع الحدث أولاً بأول، بينما يقع الثاني في مأزق المفاضلة بين أحداث الأسبوع، فكيف إذا كان أسبوعاً مكتظاً كالذي مضى؟!

ما لا يمكن تأجيله هو تداعيات حادثة تدافع الحجاج المؤلمة في مشعر منى يوم العيد، وكيف مات المئات وأصيب المئات أيضاً خلال لحظات تعبّدية يُفترض أن تهيمن عليها السكينة والطمأنينة والأمان، لا التدافع والتنازع والموت، ومَن المسؤول عن مثل هذه الحادثة الأليمة، هل هو: التنظيم المؤسسي أم الوعي الفردي أم كلاهما؟

من الحكمة والإنصاف البعد عن تخمين الإجابة عن هذا السؤال، وتأجيل ذلك حتى تخرج نتائج التحقيقات الرسمية لا (التحقيقات) الصحافية!

لكن من المباح والمتاح الآن، الحديث عن كيفية تحوّل النقاش حول حادثة تدافع الحج في المنابر وفي الفضائيات من تحليل فني يستهدف البحث عن الخطأ المسبب للحادثة وآليات معالجته من أجل تجنب تكرار حدوثه، إلى نقاش سياسي يستهدف تحويل الشعيرة إلى شعار، وينتهز الفرصة لتصفية حسابات سياسية أو عسكرية لا علاقة لها بشعائر الحج ولا تستهدف المساهمة المخلص والصادق مع المملكة العربية السعودية، الدولة المعنية، في معالجة ما يقع في الحج من أخطاء، أو على الأقل التركيز على توعية شعوبها بثقافة الطمأنينة والسكينة في الحج بدلاً من التركيز على إنعاش ثقافة التهييج والتأليب.

هذا الخطاب السياسي والإعلامي المحتقن أعطى مؤشرات مؤكدة، للمتشككين، بأن الدعوة إلى تدويل الحج هي في حقيقتها دعوة إلى تسييس الحج وتحويل شعائره المتفق عليها منذ العهد النبوي إلى شعارات متنازع عليها بين السياسة الانتهازية والثورة المؤدلجة. فإذا كانت حكومات الدول الإسلامية غير قادرة على تنسيق جهودها وتوحيد مواقفها بشأن الاتفاق مثلاً على مشروع قرار يتعلق بحدث عرَضي طارئ، فكيف ستكون قادرة على تنسيق إدارة أكبر شعيرة إسلامية بل أكبر شعيرة دينية تجري في الكون بل أكبر تجمع بشري ينعقد خلال زمن محدود في مكان محدود من العالم في كل عام؟!

السعودية أعلنت، من دون تأجيل وعلى لسان أعلى سلطة/ الملك نفسه، عن تشكيل هيئة تحقيق لتقصّي أسباب الحادثة وسبل المعالجة ومحاسبة المتسبب. هي لم تعش حالة إنكار للكارثة أو تأجيل للحزن أو مناكفة للتهرب، رغم التهم المتسارعة عليها من هنا وهناك، حتى قبل خروج نتائج التحقيق.

تكالُب التصريحات التحريضية من المسؤولين الإيرانيين، الحمائم منهم والصقور، ضد كفاءة السعودية وجدارتها بتسيير أعمال الحج ورعاية شؤون الحرمين الشريفين لم يبدُ عفوياً أو وليد الحادثة المأسوية فقط، بل بدا أنه موقف سياسي إيراني مُعدّ مسبقاً، كان ينتظر الفرصة المناسبة لإعطائه مشروعية الإعلان عنه!

إذا كان كل هذا التسييس قد جرى بسبب الموقف من حادث، فكيف سيكون حجم تسييس أحداث الحج كافة لو تم تسييره بالتدويل… كما تحكي الخرافة الطوباوية؟!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com