ذكرى عبدالناصر وحوار مع مثقف!

ذكرى عبدالناصر وحوار مع مثقف!

نجم عبد الكريم

لم أجد ما أكتبه عن عبدالناصر في ذكرى وفاته الخامسة والأربعين غير حوار دار بيني وبين مثقف مصري (الدكتور سمير سرحان) الذي تعايش مع ثلاثة أنظمة: السادات، حسني مبارك، وكان من قبل ناصرياً.
هذه الحالة الانتهازية دفعت بي عندما استضافني إلى معرض الكتاب، ثم دعاني إلى غداء في نادي السيارات لما بيننا من علاقة وطيدة، فتوجهت إليه بأسئلة عن ناصر والحقبة الناصرية، قلت له:
● كان في مصر بالستينيات مشروع، وكانت كل القوى تعمل من أجل هذا المشروع لتحقيق هدف عظيم (الوحدة العربية)… فماذا لديكم من مشاريع الآن غير الاهتمام بالشؤون الداخلية، والعصر المباركي الذي أنت أحد رموزه في عالم الثقافة لم يطرح مشروعاً قومياً، والسادات أيضاً الذي عملت معه مزّق البقية الباقية من مشروع الوحدة العربية عندما فتح المجال على مصراعيه مع الصهاينة؟!
– في حدود مصر كان هناك المشروع القومي أساسه عبدالناصر، يعني عبدالناصر هو رائد المشروع القومي لفكرة الوحدة العربية، وفكرة جمع العرب حول العزة والكرامة والفخر، لكن هذا المشروع كان مشروعاً هلامياً، لا خطة موضوعية محددة له تنتقل بالأمة العربية من مرحلة، لكونها من عدة دول نامية، متخلفة، غير متفقة مع بعضها البعض، لا في الاقتصاد، ولا في السياسة، ولا في الاجتماع.
كان المشروع يحمل طموحات كبيرة، وهي أن تكون الوحدة العربية دولة واحدة تُشبه الوحدة الأميركية أو الأوروبية، وحدة تواجه العالم بقوة المال، والسلاح، والثروة، لكننا بدلاً من السعي الجاد لتحقيقها والتخطيط السليم لانبعاثها، صرنا نردد شعارات، ونتكلم أكثر مما نعمل، مما أعاق هذا المشروع النهضوي، بل إن الانقلابات العسكرية في العالم العربي، التي تأثرت بثورة 23 يوليو، سواء في سورية، أو ليبيا، أو العراق، أو اليمن، أو في أي مكان آخر، كان من الممكن لهذه الدول أن تشكل في حد ذاتها مشروعاً تنموياً في ما بينها، لكن كل مشروعات هذه الدول أُجهضت لأنها لم تكن تمتلك رؤية واضحة للمستقبل، وأخذوا يرددون شعارات كانت نتيجتها الوضع المزري الذي نعيشه الآن.
● هذا ليس رداً على سؤالي؟
– وما سؤالك؟!
● مصر كان لها مشروع نهضوي استجابت له الأمة العربية والشعوب تحديداً.
– يا صديقي هذا كلام هلامي! القومية كانت مشاعر جياشة لا يحكمها برنامج عمل أو لدى الداعين إليها خطة واضحة المعالم… فعندما نقول ”قومية“ لابد أن يكون عندنا برنامج عمل، فأوروبا عندما سعت إلى الاتحاد كانت عندها خطة عمل لإنجاز ذلك الاتحاد.
أوروبا أوجدت قيماً بين المؤسسات المهمة، وصار عندها برلمان مشترك، ووحدت العملة، وهي بصدد توحيد الاقتصاد على تنوعه، مبدأ الاعتماد المتبادل في التصدير والاستيراد قائم على برنامج وخطط منبثقة من أرضية الواقع! فما هي البرامج والخطط التي قدمها زعماء القومية العربية؟! قل لي؟.. وماذا قدموا عبر الخطابات الحماسية والجيشان العاطفي؟!.. ثم قل لي: من فضلك، ما معنى (مشروع قومي)؟! يعني ماذا تقصد بهذه الكلمة؟! نعم نحن مجتمع عربي واحد، نجتمع في التاريخ، والتراث، واللغة، والدين، لكن هل اجتماعنا هذا في هذه القواسم المشتركة يكفي؟!
● كأنك توجه أصابع اتهام للمرحلة الناصرية؟!
– إذا فهمنا المشروع التنويري على أنه يشتمل على الديمقراطية، وحرية الرأي، والتفكير العلمي، وحق الاختلاف، وتقوية عمل الأحزاب داخل الشارع.. إذا فهمنا أن هذه النهضة تقوم على ما ذكرت، فالمرحلة الناصرية نعم كانت عائقاً دون تحقيق ذلك! أقول هذا وأنا أدين بالفضل للمرحلة الناصرية التي لولاها ما حصلت على مجانية التعليم في الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة ودرجة الدكتوراه، كلها كانت بفضل مجانية التعليم في العهد الناصري.
● هل الذين جاءوا بعد عبدالناصر حققوا لمصر من الإنجازات ما استفدت منه أنت شخصياً؟!
– الانفتاح والسلام في عهد السادات كان رائعاً، والديمقراطية التي نعيشها في عصر مبارك أكثر روعة، فماذا نريد أكثر من ذلك؟!
* * *
هذا نموذج للإنسان العربي المثقف، وما أكثرهم الآن ممن يقفون على بوابات الحُكام لكي يدينوا أشرف مرحلة في التاريخ المعاصر للعرب، الدعوة الرائعة التي استجاب لها الإنسان العربي من المغرب إلى المشرق، دعوة الوحدة العربية… رحم الله عبدالناصر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com